هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
وقال آخر
فلا تجز عن إن أظلم الدهر مرة فإن اعتكار الليل يؤذن بالفجر
فلما جرى عليه وعلى بنيه من أول الأمر إلى ذلك الوقت من الرؤيا وكيد الإخوة، علم ان الأمر قد تناهى، فقال { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا }. { إنه هو العليم } بخلقه وأحوالهم، ومنها حزنى عليهم وحالهم { الحكيم } فى صنعه فما أبلانى بذلك إلا لحكمة. وقيل إنه لما فقد يوسف قال
بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون
فتعلق بالصبر فأنساه الشيطان حسن الظن بربه فزيد كربه بفراق بنيامين، فصبر وتذكر حسن الظن، عسى الله أن يأتينى بهم جميعا، فأتاه الله بهم جميعا أعنى جمع بينه وبينهم. وروى أنهم لم يقولوا له إن ابنك سرق الصواع، بل قالوا إن ابنك سرق، فقال وما سرق؟ فقالوا سرق صواع الملك، استخرج من رحله، فحبسه الملك، وأردنا مقاتلته إذا به أشد منا، ونجانا الله ببركته دعائك، فبكى يعقوب وزينة وعيال أبنائه وأهل خاصته، وقامت عندهم صيحة لحبس بنيامين، ولفقد يهودا وشمعون على ما مر، وليس مرادى بإنساء الشيطان يعقوب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه أساء الظن به تعالى، بل ذهل وغفل عن تقوية الرجاء. قال قتادة إن نبى الله يعقوب ما ساء ظنه بالله تعالى فى طول بكائه ساعة قط، من ليل أو نهار، قيل نزل ملك الموت على يعقوب عليه السلام فقال جئت لقبض روحى قبل أن أرى أولادى؟ قال بل جئت زائرا، قال أقسمت عليك بربك، هل قبضت روح يوسف فى الأرواح؟ قال بل هو حى سوى، وهو ملك مصر، وله الخزائن والجنود والعبيد، وعن قريب إن شاء الله تعالى ترأه.
وفى رواية أنه رآه فى المنام فسأله هل قبضت روح يوسف؟ قال لا والله وهو حى يرزق. وروى أنه زاره فقال السلام عليك أيها الكظيم، فاقشعر جلده، وارتعدت فرائضه، فرد عليه السلام وقال له من أنت؟ ومن أدخلك هذا البيت وقد أغلقت على نفسى، وأمرت أن لا يدخل على أحد، وأشكوا بثى وحزنى إلى الله؟ فقال له يا نبى الله أنا الذى أيتم الأولاد، وأرمل الأزواج، فقال له أنت ملك الموت، إذن فأخبرنى عن الأرواح أتقبضها مجموعة أمر مفترقة روحا روحا؟ قال روحا روحا، قال هل مرت بك روح يوسف؟ قال لا، قال فهل جئتنى زائرا أو داعيا؟ قال ما جئتك إلا مبشرا، فإن الله لا يميتك حتى يجمع بينك وبين يوسف ولو فى الصخرة التى على قرار الأرض، فعند ذلك حول وجهه عن المحارب لهيجانه شوقا إلى يوسف بهذا، وبفقد بنيامين، لأن المصيبة الحادثة بحديث الحزن للأولى وأعرض بوجهه عنهم أيضا واشتغل بالبكاء كما قال الله عز وجل { وتولى عنهم وقال... }
[12.84]
{ وتولى عنهم } أعرض لكراهة ما جاءوا به { وقال يا أسفى } نداء تفجع، والأصل يا أسفى أحضر، فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم، وكان ذلك النداء لظهور أن المراد التوجع والتفجع لا حقيقة طلب الإقبال، وليس مراده بذلك النداء الجزع، بل التوجع إلى الله والشكوى إليه، وهو فى المعنى بمنزلة قولك يا إلهى ارحم أسفى. { على يوسف } متعلق بإلا يوسف وبينهما تجانس، وهو بديع مستملح نحو قوله تعالى
اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا
والشاهد { فى الأرض } و { أرضيتم }
صفحه نامشخص