هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
وكان حمل البعير بألف دينار ومائتى دينار، والتفت لابنه ميشا وقال له اشدد وسطك بالمنطقة الملكية واخدمهم، قال ومن هم يا أبت؟ قال هم أعمامك يا بنى، قال هم الذين باعوك؟ قال نعم باعونى حتى صرت ملك مصر، ما تقول يا بنى أحسنوا أم أساءوا فيما عملوا، قال له يا أبت بل أحسنوا والله فيما عملوا، فماذا أقول لهم؟ قال لا تكلمهم، ولا تفش ذلك لهم حتى يأذن الله تعالى لنا، فبكى ميشا وبكت زليخا حين أخبرهما أنهم إخوته، ولم يأذن لهم بالدخول بعد لاشتغاله، وتشوشت خواطرهم. وفى رواية أنهم عالمون بنظره إليهم، وتشوشت خواطرهم من كثرة نظره إليهم، فقال يهودا يا إخوتاه إن هذا الملك يكثر النظر إلينا، ويكرمنا غاية الإكرام، فإما أن يكون أعجبته أجسامنا فأراد الاستعانة بنا على عدوه، وسد ثغر من ثغوره، وإما أن يكون فعل ذلك غبطة لآبائنا وأنسابنا، أو بلغة ما فعلنا بيوسف، فأراد أن يفضحنا ويدمر علينا، وهذا هو المصرع الذى أخوفكم، أو رحمكم لفقركم، ويوسف يسمع ما يقول ويبكى. ورى وأنهم يعدون عليه ويروحون وهم فى كرامة متصلة، ويظهر لهم التجهم فتحيروا من جمعه بين التجهم والإكرام، وكلما أرادوا مفاجأته بالكلام داخلهم الهبة والخجل، ثم أذن لهم يوما فى الجلوس إليه، وأكرم مجلسهم، وسألهم بترجمان، وكان كلما له الترجمان بما قالوا نقر الصواع فيقول إن الصواع يخبرنى بصدقهم، فيخبرهم الترجمان بذلك، وكان سؤاله عن نسبهم وأسمائهم ومقصودهم وبلدهم. وقد ثبت فى الحديث كان يوسف يلقى حصاة فى إناء مخوص بالذهب فيطن، ورى أيضا أنه قال إنه طن، وقال يوسف إنه يخبرنى أن لكم أبا شيخا كبيرا، وقال هل لوالدكم سواكم؟ قالوا نعم كان له ولد اسمه يوسف فقده ولا ندرى كيف خبره، وأخ شقيق ليوسف حبسه عنده يأنس به، فنقر الصوع فخرج طنين عال فقال لترجمانه قل لهم إن الصواع يخبرنى أنكم كاذبون فى خبر هذا الواحد المفقود، إذ قلتم لا ندرى كيف خبره، فتغيرت ألوانهم، وتجلجلت ألسنتهم، وارتعد فرائصهم. ثم قال كيف كان سبب فقده، حتى لم يعلم حقيقة أمره؟ فقال واحد أكله الذئب، وقال آخر أسره العدو، وقال آخر غرق فى البحر، فهز يوسف رأسه ونظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال ما حال والده بعده؟ قال هو باكى العين، قريح القلب، حليف الأسى، لا يستلذ بهجوعه، ولا يشرب إلا ماء دموعه، قد اعتزل عن الناس، وهجر الخدين، واتخذ لنفسه غارا تحت الأرض، ودخل فيه وبكى حتى ابيضت عيناه، وليس له ليل ولا نهار، ولا نوم ولا قرار، فتقلقل يوسف تقلقل الواجد، سماع أخبار الوالد. فنقر الصواع فقال للترجمان قل لهم ما ذكرتم من أنكم أنبياء وأولاد أنبياء، فإنى لا أرى عليكم أسرة إنما أنتم لصوص أو جواسيس لأحد الملوك المجاورين، إنما بعثكم لتطلعوا على عوراتنا، فإذا رجعتم جئتم بأمثالكم من أهل القوة والنجدة تقاتلوننا، ومراد التشبيه لهم بمن ذكر، أو ذلك قول بعضهم أنه لم يعرفهم حتى عرفوه بأنفسهم - وإن قوله هذا إنما هو قبل تعرفهم له أو ذلك منه بمنزلة قولك لمن عرفته، إنه غير فلان لعلك فلان، وما الدليل على أنك غيره، تريد مباحثته، وأن يستدل لك - إنما نحن رعاة إبل وشاء، قال لا أسرحكم من سجنى حتى أعلم خبركم، فإن الصواع يخبرنى عنكم بأمور، فأظهروا الخضوع، وسكبوا الدموع.
وقالوا نسألك أيها الملك بالذى بلغك هذه المنزلة، وأكرمك إلا رحمتنا وسرحتنا إلى أبينا، فإنه اليوم أعظم حقا عليك، وعلى أهل الأرض، وإن لم ترحمنا فارحم الشيخ يعقوب، فلو رأيته لأبكاك، قد احدودب ظهره، وابيضت عيناه، وكابده الوهن والشيب قبل أوانه، وقد توسلنا إليك به فلا تضيع وسيلتنا، ولا تخيب ظنوننا فيك. فقال أما ما ذكرتم من حرمة أبيكم فإنى لا أعلم اليوم أحدا على وجه الأرض أعظم حرمة منه، ولا أعلى قدرا، ولا أوجب حقا فلو مشى على ظهرى مقبلا ومدبرا ما قضيت حقه، ولا أنكرت سبقه، فأخبرونى ما أحزنه وهو نبى، أليست الجنة بين عينيه يرجوها، وقد أمنه الله فى عاقبته، ولعله كثرة سفهكم عليه وعقوقكم؟ قالوا كلنا لسنا سفهاء ولا عاقين، إنما ذلك من فقد أنيسه وحبيبه يوسف، وكان أصغرنا وأحبنا إليه، خرج إلى المرعى معنا فأكله الذئب، وقد حبس أصغرنا بعده يستأنس به وهو أحبنا إليه بعد يوسف. فقال كيف يحب الصغير دون الكبير؟ فقالوا أيها العزيز لو رأيته لاخترته على جميع العالمين، وكنا نحبه، ورأى رؤيا نكرهها فكرهناه، فقال ما هى؟ قالوا ظن أنه يكون ملكا ونحن بين يديه كالعبيد، قال فهل وصل إلى الملك؟ كل واحد منهم بل وصل إلى ملك الجنة، وأما ملك الدنيا فما وصل إليه، قال لولا أنى أخشى أن تكونوا صادقين لحبستكم وعذبتكم عذابا شديدا، ولكن إن صدقتم فارجعوا إلى أبيكم وأقرءوه منى السلام، وقولوا له يكتب إلى كتابا يشرح فيه حاله، ويخبرنى ما الذى أحزنه وأعمى بصره، وأنا أوقر لكم دوابكم ودابة الذى تخلف مع أبيكم وهو أصغركم فيما تقولون، وإذا بلغتم فأتونى به كما قال الله عز وجل { ولما جهزهم... }
[12.59]
{ ولما جهزهم } أصلحهم وأكمل أمرهم { بجهازهم } أى بالجهاز الذى جاءوا لأجله، وهو أن يوقروا أبعرتهم بالطعام، وقيل جهازهم ذلك وما يحتاجون من عدة وزاد، وأصل الجهاز، ما يعد من الأمتعة كالسلة وكعدد المسافة، وما يحمل من بلدة لأخرى، وما تزف به المرأة لزوجها، والفتح أكثر وأفصح، وقرئ بالكسر وهو لغة. { قال ائتونى بأخ } نكرة ليكون بصرة من لا يعرفه وهو بنيامين { لكم من أبيكم } إنما قال ذلك ليظهر صدقهم، وقد علق صدقهم إلى ذلك وغيره مما مر آنفا، ولو علم صدقهم بدون ذلك، وفائدته أن يحضر ما لم يحضر من شرح حال الوالد بالكتابة، حتى كأنه مشاهد له ومن الأخ، وبلغ فى جلب ذلك حتى قال لهم من يشهد لكم بما تقولون أنكم لستم جواسيس؟ فقالوا إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا، وإن أبانا يعول سبعين إنسانا، فعجل تسريحنا لئلا يهلكوا جوعا، وتذللوا وتملقوا له. فقال دعوا بعضكم عندى رهينة، وأتوا بالأخ وبما تقولون حتى أصدقكم، ولا سراح لكم عندى إلا بالرهينة والميثاق، فلعلكم إذا وصلتم بلادكم ترجعون برسم القتال، كأنه لم ينزههم عن مثل هذا لما رأى منهم أول مرة من نحو إلقاء فى الجب وبيع، وإلا فبهت الناس، وظن السوء بدون علامة ظاهره حرام، فكيف يفعله الصديق؟ فقالوا تقترع أيها الملك فمن أصابته القرعة تركناه عندك. وروى أن قابل ذلك شمعون فاقترعوا فأصابته القرعة، وكان أحسنهم رأيا فى يوسف حين أرادوا قتله، وقيل الذى خلع قميصه يوم الجب، وقيل إنما قال { ائتونى بأخ لكم من أبيكم } لأنهم قد احتالوا برسمه حملا، وكان لا يبيع لإنسان أكثر من حمل، فأعطاهم عليه حملا بالثمن منهم، وشرط أن يأتوا به ليعلم صدقهم، ولعل صاحب هذا القول يرى أن أم يوسف الحياة حين ذهبوا به إلى البرية، وولدت بنيامين بعده، وهو خلاف ما تقدم، أو قال لهم ذلك لأنهم لا يدرى أحى بعد أن مات. { ألا ترون أنى أوفى الكيل } لا أطففه { وأنا خير المنزلين } للضيف إذا أنزلتكم بجوارى، وأحسنت ضيافتكم، أو خبر من ينزل الضيف، أى يحضر نزوله وهو ما يقرى به الضيف أولا، ووجه قوله هذا أنه ترغيب فى الرجوع، بمنزلة قولك ما يمنعكم عن الرجوع والوفاء بالميثاق، وقد رأيتم أنى موف للكيل، وقد ظهر لكم أنى محسن فى ضيافتكم وجملة { أنا خير المنزلين } مستأنفة من مقول يوسف، أو معطوفة على { ائتونى بأخ لكم من أبيكم } ولو اختلفتا فعليه واسمية، وطلبا وإخبارا، لأن المراد اللفظ لا معطوفة على أنى أوفى الكيل، وإلا قال وإنى خير المنزلين، إذ لا معلق للرؤية عنها، ويجوز كونها حالا من المستتر فى { أوفى } هذا ما ظهر لى فى الإعراب. والمعنى وبما ذكرت من أنه لم ينزههم عما مر لما رأى منهم أولا، ومن أن ذلك ترغيب فى الرجوع يجاب عما أورده الفخر من أن الآية تضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم، وأن من يشافههم بذلك لا يليق به أن يقول { ألا ترون أنى أوفى الكيل } وسكن غير نافع همزة ياء أنى، وروى أنهم لما أوقروا دوابهم دخلوا عليه للوداع فقال { ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين }.
[12.60]
{ فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } بعد هذا { ولا تقربون } بعد للطعام، أو لا تدخلوا بلدى أصلا، ولا نافية أو ناهية، وعلى النفى فحذف النون للعطف على الجواب، وهذه غاية التخويف والترغيب، إذ لا يمكنهم كيل الطعام إلا منه، فقالوا له ما أخبر عنهم الله عز وجل بقوله { قالوا سنراود عنه أباه ... }
[12.61]
{ قالوا سنراود عنه أباه } نجتهد فى طلبه من أبيه، فإنه يعز فراقه على أبيه، وعلى كل من يليه { وإنا لفاعلون } لآتون به باحتيال لانتوانى فى مرادك.
[12.62]
{ وقال } يوسف { لفتيانه } جمع فتى على الصحيح وهو خلاف القياس، وقيل اسم جمع، وقرأ حمزة والكسائى وحفص لفتيانه ليوافق قوله { فى رحالهم } فى أن كلا جمع كثرة، والكثرة مراده، فإن الرجال عشرة أو أحد عشر، ووكل بكل رجل فتى يعبئ له بضاعة، بخلاف الفتية، فإنه جمع قلة ففتية كإخوة، وفتيان كإخوان على قراءة الجمهور فالمراد الكثرة أيضا، والمراد بالفتيان غلمانه الكيالون، أو وأتباعه الذين استعملهم فى الكيل. { اجعلوا بضاعتهم } الإضافة للجنس، فالإفراد كالجمع أو إفراد لأن الكيل بضاعة واحدة، فرقت ما أتوا به للبيع وهو دراهم أتوا بها ليشتروا بها الطعام، وقيل ذهب وفضة، وعن ابن عباس نعال وأدم واقتصر عليه فى عرائس القرآن. { فى رحالهم } جمع رحل وهو الوعاء الذى يحمل فيه الطعام أو غير { لعلهم يعرفونها } أى يعرفون لها يدا وتكرمة، أى يعرفون حقها وضمير النصب للبضاعة { إذ انقلبوا } متعلق بيعرف أى وصلوا { إلى أهلهم } وبلغوهم بأن يقيموا أوعيتهم فيجدوا فيها البضاعة، ولعل للترجى، ويجوز أن تكون للتعليل، أى لكى يعرفوا أنها بضاعتهم ردت إليهم. { لعلهم يرجعون } ترجع أو تعليل، والجملة بدل اشتمال من قوله { لعلهم يعرفونها } فتحصل أن الجعل فى الرحال سببه إرادة الرجوع، أو لعل هذه ترج بالنسبة إلى المعرفة، أى لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع، وذلك أنهم إذا رأوها فى رحالهم فى الرجوع لهذا الذى يعطى الطعام فى وقت غلائه بلا قيمة. وقال الكلبى تخوف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يرجعون به مرة أخرى، سواء يريدون شراء الطعام مرة أخرى وهو الأليق بتلك السنين أم لم يردوا إذ لا يحسن رجوعهم بلا شئ، وقيل لا يرى أخذ الثمن من أبيه وإخوته لوما، ولا سيما فى حال الشدة فتركها عونا لهم على شدة الزمان، وقيل أراد أن يحسن إليهم سرا، حتى لا يلحقهم ذل وخضوع فى ذلك، ولا يطمع كل من سمع بذلك فى مثله، وقيل لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على الرجوع بها، بأن يرجع كل منهم بما وجد فى رحله مخافة أن يكون قد ذهل عنه، فلم يأخذه، أو تحرجا من طعام بلا ثمن فيتحصل غرضه من رجوعهم. وقد قيل معنى { لعلهم يرجعون } لعلهم يردونها، فالأصل لعلهم يرجعون بها، ولا يضيف هذا بسرورهم بها حيث وجدوها فى رحالهم، لأنه ظن أن يتحرجوا ويردوها، وما ظنهم يغنمونها، ولو لم يجعلها فى رحالهم لأمكنهم أن لا يرجعوا فيتعذروا بالفقر، وقلة ذات اليد فيما قيل، وقيل جعلها فى رحالهم توطئة لجعل السقاية فى رحل أخيه، ولما أرادوا المسير أمرهم بالدخول عليه، وأقبل عليهم بكليته، وأمر ترجمانه فقال إن الملك قد فعل بكم فعلا جميلا، وأولاكم طولا جليلا، وأنه يودعكم ويقول لكم أبلغوا سلامى إلى أبيكم وقولوا له إنى سمعت همه وغمه، وإنى قائل له عليك بالصبر الجميل، فإن النصر مع الصبر، واليسر مع العسر، والله لطيف بعباده.
صفحه نامشخص