هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
وفى الكبائر وفى الحديث
" إن الصلوات الخمس كنهر جار عم على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه، أى وسخه، شئ؟ قالوا لا "
وكنى به عن الصغائر. وذكر أبو عثمان النهرى،
" أنه كان مع سلمان الفارسى تحت شجرة، فأخذ غصنا منها فهزه حتى تساقط ورقه أنى كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فأخذ غصنا منها فهزه حتى تساقط ورقه، ثم قال " إن الرجل المسلم إذا توضأ ثم صلى صلاة الخمس، تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتت هذا الورق " ثم تلى هذه الآية "
على سبيل التمثيل، وذلك هو الذى ظهر عندى. وقال الجمهور من الصحابة والتابعين المراد فى الآية الصلوات الخمس، وبه قال عثمان، ومالك، وابن المسيب، ومجاهد فى رواية عنه، والضحاك، ونسب لابن مسعود، وابن عباس، والقرطبى، وقال مجاهد فى رواية هن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وعن عياض أن هذا وقول الجمهور تمثيل. { ذلك } إشارة إلى قوله { استقم } وما بعده، وقال الطبرى ما ذكر فى السورة من الأوامر والنواهى والقصص، وقيل القرآن، وقيل الصلوات المشار إليها بالحسنات، فإن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الإخبار بالحسنات يذهبن السيئات. { ذكرى للذاكرين } وعظ وتنبيه لمن سبق العلم أنه يتذكر، وخص لأنه المنتفع، أو وعظ وتنبيه متأثر فيمن رأيتموه قد اتعظ وتنبه، يعنى أن تذكره من ذلك.
[11.115]
{ واصبر } يا محمد على الصلاة والتبليغ وغيرهما من الطاعات، وعلى أذى المشركين، وعن المعاصى، والصبر ملاك الأمر، ولا ينتفع بإيمانه وعلمه من لا يصبر { فإن الله } الفاء للتعليل { لا يضيع أجر المحسنين } وهذا على العموم، وعن ابن عباس المحسنون المصلون، ويجوز أن يكون الأصل لا يضيع أجرك، وعدل منه إلى المحسنين، استدلالا على أن الإحسان موجب للثواب وإيذانا، بأن الصلاة والصبر ونحوهما إحسان وإشارة إلى أنهما لا يكويان معتد بهما حتى يكونا بإحسان وهو الإخلاص، وكذا نحوهما من الطاعات.
[11.116]
{ فلولا } أى هذا وهى للتوبيخ التنديم، ويجوز أن تكون للتحضيض تنزيلا للماضين منزلة الحاضرين، وأن تكون للتحضيض باعتبار المخاطبين، ولو كان اللفظ متوجها للماضين { كان من القرون } الأمم. { من قبلكم } كقوم نوح، وعاد، وثمود، حال من القرون { أولوا بقية } أى أصحاب دين وفضل وعقل ورأى، وسمى الخير بقية لأنه يستبقى الإنسان ما هو أفضل ما يخرجه وأجوده، يقال فلان بقية القوم، أى خيارهم، وقيل المعنى بقية من خير، وقيل إن الشرائع والدول قوتها فى أولها، ثم لا تزال تضعف ممن ثبت فى وقت الضعف، فهو بقية الصدر الأول، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أى أصحاب بقاء على أنفسهم، أى ترحم لها وصيانة من العذاب، ويؤيده أنه قرئ أولوا بقية بفتح الباء وإسكان القاف، وهى المرة من البقاء كضربة وجلسة، وهى المراقبة أى أولوا مراقبة وخشية من انتقام الله، يقال بقاه يبقيه بقية إذا راقبه. { ينهون عن الفساد } الكفر والمعاصى والظلم فى الأرض، والمراد انتفاء ذلك منهم، وفى الآية تنبيه على تغيير المنكر وحض إليه { إلا قليلا } استثناء منقطع لكن قليل { ممن } بيان للقليل لا تبعيض { أنجينا منهم } من العذاب الاستئصال، قد نهوا عن الفساد، ومن هذه للتبعيض، ويجوز أن تكون للابتداء على حذف مضاف، أى من عذابهم، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا باعتبار النفى اللازم من التحضيض أو التنديم، فإن التحضيض والتنديم إنما يكونان على ما لم يكن، كأنه قيل ما كان من القرون أولوا بقية إلا قليلا، والقليل هم أتباع الأنبياء فى زمانهم بدليل { ممن أنجينا منهم }. { واتبع الذين ظلموا } بالفساد أو ترك النهى { ما أترفوا فيه } أى ما نعموا فيه من اللذات والشهوات، واهتموا بتحصيل أسباب ذلك، وأعرضوا عما وراء ذلك من أمر الدين والنهى، والعطف على محذوف، أى لم ينهوا واتبع الذين ظلموا، وقرأ أبو عمرو فى رواية الجعفى وأتبع بضم الهمزة وتخفيف التاء وكسر الباء، أى أتبعهم الله جزاء ما أترفوا فيه، فتكون الواو للحال، ويجوز على قراءة الجمهور بوصل الهمزة وتشديد التاء وفتح الباء، أن تكون الواو للحال، والذين مفعول، وما فاعل، أى وقد تبعهم جزاء ما أترفوا فيه، ويقويه تقدم إنجاء الناهين، لأن تقدمه يناسب أن يبين هلاك من لم ينه. { وكانوا مجرمين } كافرين عطف على المحذوف المعطوف عليه، اتبع الذين أو على اتبع الذين، أو معترض بين به سبب الإهلاك، وهو كثرة الظلم واتباع الشهوات، وترك المنهى عن المنكرات والكفر، فإن النهى والأمر ركنان من أركان الدين.
[11.117]
صفحه نامشخص