1338

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

وإن قلت فهل ينافى ذلك تفسير الاستقامة بالدوام عليها؟ قلت لا ينافيها، لأيه اشتد خوفه بتلك السور وهو مستقيم، لكنه خاف أن يزل، وخاف لعله كان غير مستقيم بأن قصر مثلا تقصيرا ما، وقال جعفر الصادق المعنى افتقر إلى الله بصحة العزم، والأولى أن يقال افزع بدل افتقر، ولو كان الافتقار أيضا خلوا وفراغا. { ومن تاب } من الشرك، والعطف على المستتر فى استقم للفصل ب { كما أمرت } وهم أيضا مستقيمون، فأمرهم بالاستقامة أمر بالدوام عليها، وإن راعينا خللا فى جانبهم، من حيث إنهم غير معصومين، أو راعينا من لم يستقم، فالأمر بالاستقامة فى جانبهم أمر بالدخول فيها على الأصل، فيكون استقم مستعملا فى معناه المجازى وفى معناه الحقيقى، وقد أجاز غير واحد ذلك، وعلى المعنى يعتبر الحال الذى استقبل بعد نزول الآية فى جانب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه حال غير موجودة فلا يلزم من الأمر بالاستقامة فيها تحصيل الحاصل، وكذا فى جانبهم إن فرضنا استقامتهم، واعتبرناها حال النزول، أو يقدر على المنع أمر آخر لكنه باللام، والمضارع لائق بحالهم، أى وليستقم من تاب.

{ معك } متعلق بتاب، أو حال من المستتر فى تاب، ولا يلزم من تعليقه فيه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أشرك وتاب من الشرك، حاشاه عن ذلك، لأنه يجوز أن تقول قمت مع زيد، تريد أنك قمت بحضرته ولو لم يقم هو. واعلم يا أخى رحمك الله أنى استقريت هذه المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الأباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية، بالمنقول والمفعول، ولم أر مستقيما منها فى علم التوحيد والصفات، سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال عن التشبيه والتعطيل، حججه لا تقاومها حجة، ولا تثبت لها، والحمد لله وحده. { ولا تطغوا } لا تجاوزوا المأمور به إلى المنهى عنه، ففى ذلك تأكيد لقوله { استقم كما امرت ومن تاب معك } { إنه } تعليل مستأنف { بما تعملون بصير } فيجازيكم به، ومن انحرف عن النص بنحو قياس واستحسان فقد طغى وخرج عن الاستقامة، وحام حول النهى، ونبذ الأمر، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهى، ولا تروغ منه روغان الثعلب، وما لم يرد فيه النص فالواجب على غير المجتهد أن يتبع فيه المجتهد، وإن استقل برأيه فسق، قاله أبو يعقوب يوسف بن خلفون رحمه الله.

[11.113-114]

{ ولا تركنوا } لا تميلوا بقلوبكم محبة، وقرئ بضم الكاف، وقرئ تركنوا بكسر التاء وفتح الكاف على لغة تميم فى كسر حرف المضارعة غير الياء فيما كان من باب علم يعلم، وهو رواية عن أبى عمرو وقرأ ابن أبى عبلة بالبناء للمفعول من أركنه إذا أماله، أى احذروا أن يميلكم أحد أو أمر. { إلى الذين ظلموا } ظلم شرك أو نفاق، وقيل ظلم شرك، ويدخل النفاق بالحمد والمعنى، وقال ابن العالية الركون إليهم الرضا بأعمالهم، وقال السدى، وابن زيد مداهنتهم، وقال عكرمة طاعتهم. والتحقيق أن النهى متناول للانحطاط فى هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيى بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل كيف عظم أمر الركون إذ قال { ولا تركنوا } فإن أدنى ميل يسمى ركونا، وإذ قال { إلى الذين ظلموا } فعبر بالفعل ولم يقل الظالمين ليدل على أدنى ظلم صدر من الإنسان ولو مرة واحدة، ولو عبر بالظالمين لتبادر الرسوخ فى الظلم، فإذا كان الركون إلى من وجد منه أدنى ظلم ولو مرة حراما، فكيف الركون إلى الراسخ فى الظلم؟ وكيف الميل إليه كل الميل؟ فكيف الظلم الراسخ نفسه. صلى الموفق خلف إمام فقرأ هذه الآية فغشى عليه، ثم أفاق فقيل له، فقال هذا فى من ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم، وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين لا تطغوا، ولا تركنوا، ولا يبعد أن الآنة أبلغ نهى فى الظلم إذ حرم أدنى ميل إلى أدنى ظلم، وأوجب عليه النار إذ قال { فتمسكم } تصيبكم وقرأ أبو عمرو فى رواية بكسر التاء { النار } والنهى عنه تثبيت على الاستقامة، قال ابن مسعود رضى الله عنه إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له، لأنه يرضيه بسخط الله. قال بعضهم ما دخلت أبدا على السلطان إلا وحاسبت نفسى بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، وأنا أغلظ عليه وأخالف هواه، ولوددت أنى أنجو من الدخول كفافا، مع أنى لا آخذ منهم شيئا، ولا أشرب لهم شربة ماء. وأول من خالط السلاطين من العلماء الزهرى، وكتب إليه أخ له فى الدين عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغى لمن عرفك أن يدعو لك الله أن يرحمك، أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه وتعالى لنبيه

لتبيننه للناس ولا تكتمونه

لو أعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغنى بذنوبك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك فى جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا

فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شئ فى الأرض ولا فى السماء، والسلام. انتهى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" العلماء أمناء الرسل على عباد الله تعالى ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلواهم "

وعن عبادة بن الصامت حب القراء الناسك للأمراء نفاق، وحبه للأغنياء رياء، وعن الأوزاعى ما من شئ أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. وعنه صلى الله عليه وسلم

صفحه نامشخص