هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
" سام أبو العرب، وفارس، والروم "
قيل وأهل الشام واليمن، وحام أبو السودان، وقيل الهند، والسند، والحبشة، والنوبة، والقوط، وكل أسود، ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج، وقيل والبربر والصين والصقالبة. قال عطاء دعا نوح على حام أن لا يعدو شعر ولده آذانهم، وأنهم حيث ما كانوا يكونوا عبيدا لولد سام ويافث قال التلاتى قال لولده حام، لما هبط من السفينة إنى لم أشبع النوم منذ ركبت السفينة وأريد أن أنام يوما لأشبعه، فوضع رأسه على حجره ونام، فهبت الريح وكشفت سوأته، فلما رآها حام ضحك، فوثب أخوه سام وسترها، ولما انتبه من نومه قال لأى شئ ضحك حام؟ فأخبره سام بفعله، فقال له نوح عليه السلام أتضحك من سوأة أبيك، غير الله خلقتك، وسود وجهك، فاسود فى الحال، وقال لولده سام، سترت عورتى ستر الله عورتك فى الدنيا، وغفر لك فى الآخرة، وجعل نسلك الأنبياء والأشراف، وجعل نسل أخيك حام العبيد والإماء، وجعل نسل أخيك يافث الجبابرة والملوك العاتية، ويدل على أن المراد بقوله { أمم ممن معك } المؤمنون قوله { وأمم سنمتعهم } بالرفع، وهو كلام مستأنف، وأى أمم ناشئة ممن معك سنمتعهم فى الدنيا { ثم يمسهم منا عذاب أليم } فى الآخرة لكفرهم وهو عام، وقيل المراد قوم هود، وصالح، ونحوهم ممن أهلكه الله بعذاب الاسئتصال وهو العذاب الأليم فى الدنيا، وأمم مبتدأ خبره { سنمتعهم } وقدرت الصفة، أى أمم ممن معك كما ذكر ذكر قبل، والمبتدأ والجملة صفة، والخبر محذوف أى أمم سنمتعهم ناشئون ممن معك.
[11.49]
{ تلك } أى قصة نوح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون الإشارة إلى هذه الآية المتضمنة قصة نوح { من } للتبعيض { أنباء الغيب } أى من أخبار الغيب وهو خبر المبتدأ الذى هو تلك. { نوحيها إليك } خبر ثان أو حال من أنباء، وها عائد إلى تلك، أو الخبر ومن أنباء حال من ها فى نوحيها، أو متعلق بنوحى فتكون للابتداء. { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } أى هذا الزمان، أو هذا القرآن، فإن كانوا علموها فما علموها بتفصيلها الذى فى الآية، وعلى كل حال ففى ذكر القوم إشارة إلى أنه إذا لم يعلموها، مع كثرتهم، وكثرة سفرهم، والتقائهم بأهل الكتاب والعجم، فكيف يعلمها محمد؟ فما علمها إلا بوحى من الله، والجملة خبر ثالث، أو ثان، أو حال من هاء فى نوحيها، أو من الكاف فى إليك. { فاصبر } على التبليغ وإذاء قومك كما صبر نوح { إن العاقبة } الكاملة وهى فوز الدنيا والآخرة { للمتقين } عن الشرك والمعاصى، والجملة تعليل.
[11.50]
{ وإلى عاد أخاهم } فى النسب عطف على نوح إلى قومه { هودا } عطف بيان من أخاهم. { قال } الخ استئناف بيانى { يا قوم اعبدوا الله } واحذروه وأطيعوه فى أمره ونهيه، ومن جملة أمره ونهيه الأمر بالتوحيد، والنهى عن الإشراك { ما لكم من إله غيره } بالرفع نعت لإله تبعا لتقدير الرفع فى إله، وقرأ الكسائى بالجر تبعا للفظ، وهكذا حيث وقع إذا كان قبل إله من الخافضة، ويجوز كون الرفع على الإبدال من المستتر فى لكم، ومن محل إله على التقدير، وإن لم نجعل لكم خبرا، والإله مبتدأ بل فاعل لقوله { لكم } فلا ضمير فى لكم { إن أنتم إلا مفترون } على الله بإثبات الشركاء، وجعلها شفعاء.
[11.51]
{ يا قوم لا أسألكم عليه } أى على التبليغ، أو على التوحيد، أو على الله { أجرا إن أجرى } وسكن الياء غير نافع، وابن عامر، وابن عمرو، وحفص { إلا على الذى فطرنى } خلقنى وسكنها غير نافع، والبزى، قيل ما من رسول إلا واجه قومه بذلك، لأن شأن الرسول النصيحة وهى لا تتمحض، ولا تؤثر ما دامت مشوبة بالمطامع ولإزاحة التهمة. { أفلا تعقلون } تستعملون عقولكم فتعرفوا الصواب من الخطأ، وأن من لا يطلب بنصحه إلا ثواب الله فى الآخرة قد أمحض لكم النصح، فلا يحسن رد نصيحته.
[11.52]
{ ويا قوم استغفروا ربكم } من الشرك، بأن تتركوه وتوحدوا، والاستغفار طلب المغفرة، قد يكون باللسان، وقد يكون بعمل الخير، وترك الشر بالقلب والجارحة، وإنما فسرنا الاستغفار بترك الإشراك، لأنه إنما يطلب أولا التوحيد. { ثم توبوا إليه } ارجعوا إليه بالطاعة له وحده، والتوبة إنما تصح بعد الإيمان، أو توسلوا إليه بالتوبة عقد فى ترك الشئ يتقدمه علم بفساد ذلك الشئ، وصلاح ما يرجع إليه، وأما الندم فرد المظالم ونحوها وهى شروط وتوابع، وقيل الاستغفار ترك الشرك، والتوبة توبة عن الشرك، وعبادة غير الله وسائر الذنوب. { يرسل السماء عليكم } يسمى المطر أو الماء باسم جهته وهو لفظ السماء، بمعنى سماء الدنيا، أو باسم محله وهو الجو الذى فوقنا، فإنه أيضا سماء، وذلك مجاز مرسل، ويجوز أن يقدر مضاف أى مطر السماء أو ماء السماء، فيكون لفظ السماء مجازا بالحذف. { مدرارا } صفة مبالغة كمضراب ومنجاز، أى كثير الدرور، أى متتابعا مرة بعد أخرى فى أوقات الحاجة، فتكثر أرزاقكم وأموالكم، ولم يؤنث مع أن السماء مؤنث، لأن مفعالا لا يؤنث، وأيضا المراد بالسماء المطر أو الماء، وهما مذكران، أو يقدر أحدهما وينوى كما مر، ورغبهم فى الإيمان بإدرار المطر، لأن بلادهم كانت مخصبة كثيرة الخير والنعم، وكانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وحرص على ذلك، وقد أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فأجدبت بلادهم، وكانوا أحوج شئ إلى الماء، فأخبرهم هود أنهم إن آمنوا رد الله عليهم حال أرضهم، وكانوا أيضا مدلهين بقوة أبدانهم، وشدة بطشهم وشجاعتهم، فرغبهم فى الإيمان بالزيادة فيها إذ قال { ويزدكم قوة إلى قوتكم } قاله مجاهد، وكانوا ميهيين فى كل ناحية، وقيل أراد القوة فى المال، وقيل القوة فى النكاح فيكثر نسلهم، وقيل فى المال والولد، وقيل قوة بالدين إلى قوتكم التى أنتم فيها بالدنيا، والظاهر العموم فى كل ما يحسن الله تعالى به إلى عباده. وروى أن الله عقم أرحام نسائهم فى ثلاث سنين، فأخبرهم هود أنهم إن آمنوا أرسل الله عليهم المطر، وأعاد الأرحام كما كانت. وفد الحسن بن على بن أبى طالب على معاوية، ولما خرج تبعه بعض حجابه فقال إنى رجل ذو مال ولا يولد لى فعلمنى شيئا لعل الله يرزقنى ولدا، فقال له عليك بالاستغفار، فأكثر منه حتى كان يستغفر فى يوم واحد سبعمائة مرة، فولد له عشرة أبناء، فبلغ ذلك معاوية، فقال هلا سألته ممن قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال ألم تسمع قول الله حكاية عن قول هود { يزدكم قوة إلى قوتكم } وقول نوح
صفحه نامشخص