1259

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

[10.2]

{ أكان } استفهام إنكار وتوبيخ { للناس } قريش والعرب، أو أهل مكة، اللام للبيان، تبين أن العجب لهم علقها بعضهم بقوله { عجبا } لأنه لا ينحل هنا إلى فعل وحرف مصدر، فلم يضر تقديم معمول المصدر على المصدر، ولأن المعمول ظرف وعلقها بعض بمحذوف حال من { عجبا } ولو كان نكرة لتقدم، والمسوغ بالاستفهام، وعلقه بعض بكان وهو أولى، والصحيح جواز التعليق بالفعل الناقص، وعجبا خبر كان مقدم، والعجب حالة تعترى الإنسان عند الجهل بسبب الشىء { أن أوحينا } اسم كان فى التأويل، ويجوز كونه اسمها، وللناس خبرها، وعجبا حال من ضمير الاستقرار فى قوله { للناس } ، ويفيد الخبر الفائدة الكاملة بهذه الحال، وقرأ ابن مسعود برفع عجب، وكذا فى مصحفه على الأخبار بالمعروفة عن النكرة، إذ عجب اسم كان، وإن أوحينا فى التأويل خبرها، والتقدير فى جاءنا وهو معرفة، وهم حكموا بأن حرف المصدر ومدخوله فى حكم الضمير، أو على أنه بدل من عجب بالرفع، وكان تامة، وعجب فاعلها، أو ناقصة فخبرها للناس، وإنما قال { للناس } ولم يقل عند الناس، والله أعلم، ليدل على أنهم جعلوه أعجوبة لهم فيوجهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم. { إلى رجل } وقرئ بإسكان الجيم مع فتح الراء { منهم } من العرب أو من قريش، أو أهل مكة، أو الناس من سائرهم لا ممن له شرف بمال وجاه، وذلك من عظم جهلهم، إذ كونه بشرا أليق من كونه ملكا، وكونه لا مال له ولا جاه هو أعون شىء فى أداء الرسالة، بحيث لا يشغله مال عن أدائها، ولا يمنعه تعلق جاء به، ولا عجب فى ذلك، وإنما العجب فى تعطيل العقاب والثواب. { أن } مفسرة أو مصدرية، وعليها فالمصدر مفعول لأوحينا { أنذر الناس } خوفهم بالعقاب إن أصروا على الكفر أو المعصية مطلقا، ولذلك عمم، إذ ما من أحد إلا وفيه ما ينبغى أن ينذر عنه. { وبشر الذين آمنوا } أخبرهم إختارا سارا { أن } أى بأن { لهم قدم صدق } أى عملا صالحا مقبولا لصدقهم فيه، وإخلاصهم إياه، وسمى قدما لأن به وصولهم إلى الدرجات العلى، كما أن الإنسان يتوصل بقدمه إلى المكان الذى ليس فيه، وسميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وبإعلان صاحبها يبوء بها، أى يمد، وأضيف للصدق لصدقهم فيه، وإخلاصهم، أو أراد بالقدم الثواب على أعمالهم تشبيها لغويا بالشىء ناله الإنسان بالسعى إليه بقدمه، فسمى باسم آلته، أو سابقة سعادة ومنزلة رفيعة، أو موته صلى الله عليه وسلم كما ورد

" أنا فرطكم على الحوض "

أو الشفاعة، فيجوز أن تكون التسمية بالقدم لقدومهم على ذلك بالموت، وأن تكون الإضافة أو الصدق لتحقق ذلك لهم، أو لمجرد المدح. { عند ربهم } ناهيك بما هو عند الله محفوظا { قال الكافرون } وقال الطبرى جواب للما محذوفا، أى لما أنذر وبشر قال الكافرون ا ه، ويجوز أن يقدر قال الكافرون عند إنذاره وتبشيره، قيل وأن يكون تفسيرا لقوله { أكان للناس عجبا } على معنى أنهم مالوا عن ذلك العجب، ويجوز أن يكون مستأنف كلام.

{ إن هذا } أى القرآن أو الوحى مطلقا { لسحر مبين } بين، قالوا ذلك لأنهم رأوا منه ما فرق كلمتهم، وحال بين القريب وقريبه، خوارق عادة تعجزهم عن المعارضة، فقولهم ذلك متضمن لاعترافهم بالعجز، أو لأنهم يرون نحو البعث مما يخبرهم مضمحلا لا يثبت كالسحر، وقرأ ابن كثير، والكوفيون، ومسروق، وابن جبير، وابن مسعود، ومجاهد وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، وعيسى بن عمرو، وابن كثير بخلاف عنهما، وابن محيصن لساحر بالألف على أن الإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما على القراءة الأولى فلا تصح الإشارة إليه إلا على المبالغة، أو بالتأويل بالوصف، أو بتقدير مضاف، وعن الأعمش ما هذا إلا ساحر مبين، وفى مصحف أبى ما هذا إلا سحر مبين.

[10.3]

{ إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام } أى فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، لا فى الستة حقيقة، لأنه لا نهار، ولا ليل، ولا شمس، ولا قمر حينئذ، ومعنى ما ورد أن الله خلق يوم الأحد كذا، ويوم الاثنين كذا، أنه خلق ذلك فى أوقات تجئ الأيام إذا خلقت على مقدارها وترتيبها، واشتهر أن بدء الخلق يوم الأحد، وروى يوم السبت، وعلة ذلك التراخى تعليم التأنى فى الأمور، وقيل لا يوصل إلى علة ذلك كخلق الأجنة فى البطون، وخلق الثمار، وقيل المراد ستة أيام من أيام الآخرة. { ثم استوى على العرش } أى استولى عليه، بأن أوجده بعد إيجاد السماوات والأرض، وإن قلنا قبله، فالترتيب ذكرى، والتراخى باعتبار عظمة العرش عليهن أو بعده عنهن. { يدبر الأمر } أى يقدره فى الوجود على ما اقتضت حكمته، وسبق به قضاؤه، وينزله من العرش كمن ينظر فى أدبار الأمور لتجىء عاقبتها محمودة، ويجوز أن يكون استواؤه على العرش كناية عن أنه مالك للأشياء، متصرف بها بحكمة، فيكون قوله { يدبر الأمر } بيانا له، وأجاز بعض أن يكون الأمر بمعنى مقابل النهى، وتدبيره إنفاذه. { ما من } صلة للتأكيد { شفيع إلا من بعد إذنه } رد على من أثبت شفاعة الأصنام، كيف تشفع الأصنام التى هى لا فضيلة فيها من عقل أو عبادة أو غيرها، عند من هو الحكيم بالحقيقة، الذى من عظم شأنه خلق السماوات والأرض والعرش مع اتساعها، وعدم خروج أمر من الأمور عن تدبيره. { ذلكم } الموصوف بالخلق والاستواء والتدبير، وقص الشفاعة على أهلها، وهن صفات ألوهية وربوبية { الله ربكم } بدل أو خبر ثان { فاعبدوه } أطيعوه، أو وحدوه، فإنه المستحق لذلك، إذ لا يشاركه أحد فى صفة أو فعل أو ذات، فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع { أفلا تذكرون } ولو أدنى تذكر، فتعرفوا أنه المستحق للألوهية دون خلقه من ملك وإنسان وجماد.

[10.4]

{ إليه } لا إلى غيره { مرجعكم } أى رجوعكم بالبعث بعد الموت، فاستعدوا له { جميعا } حال من المضاف إليه، لأن المضاف صالح للعمل، وهو مرجع لأنه مصدر، ولو كان لا ينصب المفعول به لأنه ميمى. { وعد الله } مفعول مطلق لفعله المحذوف وجوبا، مؤكدا للوعد الذى أفادته الجملة قبله، نحو له على ألف اعترافا { حقا } مفعول مطلق لفعله المحذوف، مؤكد لما دل عليه وعد الله من الحقيقة، ويقال الأول إنه مؤكد لنفسه، لأن قوله { إليه مرجعكم } فهو نفس الوعد، والثانى مؤكد لغيره، فإن قوله { وعد الله } ليس نفس قوله { حقا } بل مستلزم له، أو حقا حال من وعد الله، وقال أبو الفتح نعت، ووجهه عندى أن المنعوت ولو كان معرفة لفظا لكنه فى الحقيقة نكرة، لأن الأصل وعد الله ذلك وعدا، ولما حذف العامل أضيف المصدر إلى ما هو فاعله. { إنه } كالتعليل الجملى لقوله { إليه مرجعكم } فإنه إنما كان مرجع الجميع إليه، لأنه المقصود من البدء، والإعادة الجزاء، أو ذلك قطع واستئناف، ويدل للتعليل قراءة أبى جعفر، والأعمش، وابن مسعود بفتح الهمزة على التعليل اللفظى، إلا من أدى، أى لأنه يجوز أن يكون الفتح على أن المصدر من خبر إن مفعول لعاقل، وعد الله المحذوف، أى وعد الله وعد البدء، والعامل حقا، أى حق الله حقا البدء من حق المتعدى، أو أحق الله بتعديته بالهمزة، أو عن البدلية من وعد الله، أو الفاعلية لناصب حقا، أى حق حقا البدء من حق اللازم، قيل أو الخبرية لمبتدأ ناصب لوعد الله، أى وعد الله وعدا بإسكان العين البدء، ويجوز نصبه بوعد الله إذا لم يوصف بحقا. وقرىء وعد الله بالفعل والفاعل، فحقا مفعول وعد، والمصدر من خبر إن مفعول، وقرأ ابن أبى عبلة برفع حق على الابتداء، وفتح همزة إن عن الإخبار، وكذا قيل، والحق عندى العكس. { يبدأ } من البداءة، وقرأ طلحة يبدى بضم الباء وكسر الدال، من أبدأ بهمزة أولا وآخرا { الخلق ثم يعيده } أى يبعثه بعد بلاء { ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } أى بعدله لا ينقص من أجورهم شيئا، أو بعدلهم فى أمورهم أو بإيمانهم، فإنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، هو الأنسب لذكر الجزاء بالكفر فى قوله { والذين كفروا } أى أشركوا { لهم شراب } عظيم فى الشدة كما يدل عليه التنكير { من حميم } أى من ماء بلغ النهاية فى الحرارة، إذ أدناه الكافرين من فيه سقطت فروة رأسه، فعيل بمعنى فاعل، وقيل بمعنى مفعول، وأنه يقال حمه يحمه بمعنى سخنه. { وعذاب أليم بما كانوا } أى بكونهم { يكفرون } أو بكفرهم الذى كانوا يكفرونه، فإن المراد جزاؤهم بشركهم، والأصل بما كانوا يظلمون، وهو لظم الشرك، ولكن عبر بيكفرون، لأن الكلام قبل ذلك وبعده فى الاستدلال على التوحيد، وإنكار الشرك، بل الأصل أيضا ليجزى الذين كفروا بشراب من حميم، وعذاب أليم، بسبب كفرهم، ليناسب قوله { ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } ولكن عدل عن ذلك مبالغة فى استحقاق العقاب، وتنبيها على أن المقصود بالذات من البدء والإعادة هو الإثابة، وأما العقاب فعارض عن عدم الاتئمار والانتهاء، وأنه يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلفظه وكرمه، ولذا لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقوه بكفرهم إلى أنفسهم فعينه.

[10.5]

صفحه نامشخص