هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
ومعنى الخلط هنا مجرد الجمع بين العملين، ولذلك لم يعبر بالباء، وفى ذلك إفادة أن كلا منها مخلوط بالآخر، ومخلوط به الآخر، كأنه قيل أجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيىء ومعنى الجمع بينهما فعل كل منهما، ولو كان فعل الكبيرة يحبط الحسنات حتى أنهما لا يجتمعان كما تقول جمع زيد بين قراءة القرآن والعلم، ولو فى حال تلفظه بواحد غير متلفظ بآخر. هذا إجراء الآية على مذهبنا معشر الأباضية، ولكن الحسنات هنا نرجع بالتوبة، ولك أن تقول الواو فى معنى الباء كقولك خلطت الماء باللبن أى مزجتهما، فالقوى يفسد الآخر، فالسيىء هنا يفسد الصالح لقوته، وقد ورد على الصالح، وإنما ساغ تأخيره مع أنه المخلوط بالآخر، لأن العطف بالواو، ولا تفيد الترتيب، ولو كان اللفظ بالباء لقيل خلطت عملا سيئا بآخر صالحا، أو نظر إلى أن المختلطين كل منهما مخلوط بآخر، وساغ جعل الواو بدل الباء لأنها للجمع، والباء للإلصاق والجمع والإلصاق من واد واحد. وقال الشافعية وغيرهم إن العمل الصالح والطالح إذا حصلا بقيا معا، فلذلك كانت الآية بالواو، وهى الجمع بالباء، لأن خلط الشىء بالشىء مزجه به كاللبن مع الماء، والله أعلم. ولما أطلقهم قالوا يا رسول الله، هذه أموالنا التى خلفتنا فتصدق بها عنا، واستغفرنا، وطهرنا، وفى رواية قال أبو لبابة
" من تمام توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الخطيئة، وأن أتصدق بمالى كله، وذاك فى مقالته لقريظة، أو فى تخلفه، وكذا قيل عن أصحابه فى تخلفهم، وقال صلى الله عليه وسلم " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " "
فنزل { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } أى خذ شيئا منها، فمن للتبعيض لا كلها،
" وقد روى أنه قال لأبى لبابة وأصحابه " يجزيكم أن تتصدقوا بالثلث " فخذ من أموالهم الثلث "
، ويروى أنه لما حلهم انطلقوا فجاءوا بأموالهم فردها، فنزل هذا، فأخذ ثلثها وذلك تكفير لذنبهم، فإنهم طلبوا منه أن يأخذها ليطهرهم من الذنوب، ويرفعهم عن الخبث، ويدعو لهم، فأمر الله بذلك، فالمراد تطهرهم عن الذنوب، أو عن حب المال المؤدى إلى مثل ذلك، وتزكى بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين قيل تنمى بها أموالهم. وزعم قوم أن المراد الصدقة الواجبة لما تابوا وأحسنوا الإسلام أدوها، وزعم قوم أن هذا كلام منقطع عما قبله، وأنه فى جميع من تلزمه الزكاة، وعليهما فليست الزكاة واجبة فى كل مال على الإطلاق كما بينته السنة، واستدل أبو حنيفة بالآية على أنه لا زكاة فى مال الصبى والمجنون، إذ لا ذنب لهما يطهر بها، ويرده أنه لا يلزم من انتفاء سبب المعنى انتفاء الحكم مطلقا، وجملة تطهرهم نعت لصدقة، والضمير المستتر للصدقة وهو الرابط، أو النبى صلى الله عليه وسلم، فالرابط محذوف، أى بها دل عليه ما أبعد على التنازع أو هو المذكور فى قوله { بها } ويقدر مثله لتزكى، ولكن تعلق المذكور بتطهر، وتقدر ضمير تزكى الصدقة.
وقرىء تطهرهم بالإسكان من أطهره، وقرىء تطهرهم بالتشديد والجزم فى جواب الأمر، وليست الجملة حينئذ نعتا ولم يقرأ أحد بمحذوف ياء تزكى، فهو قراءة جزم تطهر مستأنف أو معطوف على المجزوم بإسقاط تقدير الضمة، أو حال بتقدير المبتدأ على أن يتعلق به قوله { بها } ويجعل ضمير تطهر للزكاة. { وصل } أى وادع { عليهم } بخير بحيث يغطيهم دعاؤك، ويكون كستر مسدود عليهم، قال الشافعى السنة للإمام إذا أخذ الصدقة ولو غير واجبة أن يقول للمتصدق آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وقيل يجب عليه الدعاء فى الواجبة، ويستحب فى غيرها، وقيل يستحب مطلقا،
" وكان صلى الله عليه وسلم إذ أتاه قوم بصدقة قال " اللهم صل عليهم " فأتاه أبو أوفى فقال " اللهم صل على آل أبى أوفى " "
أو يستحب للفقير الدعاء على معطيها له، وقيل يقول اللهم صل على محمد. { إن صلاتك } الجمع باعتبار المدعو عليهم، وإلا فالمصدر واسمه يصلحان لواحد ومتعدد بلفظ واحد، وقرأ حمزة، والكسائى، وحفص، إن صلاتك بالإفراد وفتح التاء. { سكن لهم } طمأنينة يسكنون إليها، ويطمئنون بأن الله سبحانه تاب عليهم، وكل ما سكن إليه من أهل وجيب ومال وغير ذلك فهو سكن، والجملة تعليل { والله سميع } باعترافهم، قيل أو لدعائك { عليم } بتوبتهم ونيتهم.
[9.104]
{ ألم يعلموا } وقرىء تعلموا بالفوقية، وعلى كل حال فالمراد هؤلاء المعترفون، والتاء على طريق الالتفات، والمعنى ألم يعلموا قبل نزول توبتهم، وقبول صدقهم، وفى ذلك تمكين قبول التوبة والصدقة فى قلوبهم، وقيل المراد الذين لم يتوبوا قالوا هؤلاء كانوا بالأمس معنا، لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم، فنزلت ترغيبا لهم فى التوبة، وقبول الصدقة، وعلى هذا فليس فى التاء التفات. { أن الله هو } هذا الضمير إنما يفيد التأكيد من حيث المعنى، سواء جعل مبتدأ أو تأكيدا لاسم إن مستعارا للنصب، ولا مانع من تأكيد الظاهر بالضمير، بأن الظاهر إذا كان كافيا فى تأدية المراد، فالضمير المزيد عليه مؤكد قطعا، لأنه زيادة فى ذلك المراد، وليس كما زعم بعض أن الظاهر أقوى فلا يؤكده الضمير، وأجاز بعض أن يكون هو بدلا، ولا يفيد الحصر، لأن الخبر بعده ليس اسما معرفا كما فى قولك إن الله هو القابل، بل تعريف المسند والمسند إليه مفيد للحصر، ولو لم يكن لفظ هو أو هى أو نحوه فى الكلام، والمسند إليه هنا معرف دون المسند، ومعنى قول جار الله إن هو للتخصيص، أنه تخصيص لله فى الذكر بعد ذكره أيضا كما قالوا فى الحمد لله إن اللام للتخصيص، فمن ادعى ثبوت الحمد لغير الله فليأت ببيان، ولا بيان له، ولو مفيدا للحصر من هذه الجهة، وليس مفيدا له بطريق الصناعة فافهم، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام. { يقبل التوبة } إذا صحت { عن عباده } مثل قولك يقبلها من عباده، أو عدى القبول بعن لتضمنها معنى التجاوز والمساهلة { ويأخذ الصدقات } أى يقبلها لكن قبول من يضاعف الجزاء عليها، وفى ذلك ترغيب فى الصدقات، إذ كان الذى يأخذها فى الحقيقة هو الله، ولو كان أخذها فى الظاهر هو الفقير مثلا، عن ابن مسعود رضى الله عنه
صفحه نامشخص