هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ لا تعتذروا } أى لا تشتغلوا باعتذاركم، فإنه لا ينفعكم لكذبه، والاعتذار ذكر ما يزيل الغضب من قلب المعتذر إليه، ويقطع اللوم { قد كفرتم } كفر شرك بما أظهرتم { بعد إيمانكم } الذى لم يخلص عن كبائر النفاق، هذا على مشهور المذهب، وقيل إن المنافقين مشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى قد أظهرتم الكفر، أى الشرك الذى أضمرتموه بعد إيمانكم بألسنتكم. { إن نعف عن طائفة } قيل المراد بها واحد لجواز إطلاقها على الواحد فى اللغة وهو مخشن، لأنه تاب فعفا الله عنه دنيا وأخرى { منكم } خطاب لهؤلاء المستهزئين، وقيل الطائفة الجماعة، والخطاب للمنافقين، والمعنى إن يعف عن طائفة فى الدنيا والآخرة لتوبتهم وإخلاصهم، أو فى الدنيا لتركهم الإيذاء، والاستهزاء، والنائب الجار والمجرور بواسطة الجار، ولذلك قيل يعفو بالتحتية، لأنه لا يقال سيرت بالدابة ولا مرت بهند، وقرأ مجاهد بالفوقية، وهو غريب إذ ليس المعفو الطائفة، وكأنه نظر إلى معنى أن ترحم طائفة، أو فى تعف ضمير الذنوب، كأنه قيل إن تعف هذه الذنوب، وقرأ الجحدرى بالتحتية والبناء للفاعل، أى إن يعف الله، وعاصم، وزيد بن ثابت، وأبو عبد الرحمن بالنون والبناء للفاعل. { نعذب طائفة بأنهم } أى لأنهم { كانوا مجرمين } مصرين على النفاق فيعذبون فى الآخرة، أو على الإيذاء والاستهزاء فيعذبون فى الدنيا أيضا، وقرأ الجحدرى يعذب بالتحتية والبناء للفاعل، أى الله ونصب طائفة، وقرأ عاصم، وزيد، وأبو عبد الرحمن نعذب بالنون كذلك ونصب طائفة.
[9.67]
{ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } أى متآلفون مجتمعون على المعاصى، متشابهون فيها كأبعاض الشىء الواحد، كما يقول أنا منك وأنت منى، يريد أنكما متوافقان، كما تقول القفا من الرأس، تريد أن حكمهما فى القصاص واحد، والأذنان من الرأس، تريد أن وضوءهما مع الرأس لا مع الوجه، وقيل ذلك تكذيب لحلفهم إنهم لمنكم، وتقرير لقوله
وما هم منكم
{ يأمرون بالمنكر } الكفر والمعاصى { وينهون عن المعروف } الإيمان والطاعة، وذلك مضاد لأحوال المؤمنين، فليسوا منهم، { ويقبضون أيديهم } كناية عن تباعدهم عن أعمال الخير كالصدقة والإنفاق فى سبيل الله، وما أتوه منها لم يكملوه. { نسوا الله فنسيهم } تركوا ذكر الله وطاعته، فتركهم من فضله ورحمته وخذلهم، والنسيان بمعنى الترك حقيقة، ويجوز أن يكون المراد تركوا أمره حتى صاروا بمنزلة من ذهب شىء عن حافظته، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسى عن ثوابه وفضله، فتكون فى ذلك مبالغة، إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذى يقترن به لنسيان مزاوجة فى قوله { فنسيهم } مثل
يخادعون الله وهو خادعهم
{ إن المنافقين هم الفاسقون } الكاملون فى الخروج عن دائرة الخير والطاعة.
[9.68]
{ وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار } المشركين { نار جهنم } يجوز استعمال وعد فى الشر عند القرينة كما هنا، ومن فسر النفاق بإسرار الشرك فسر الكفار بالمظهرين الشرك { خالدين } حال مقدرة { فيها هى حسبهم } كافية عقابا وجزاء، بحيث إنه لا شىء أبلغ منها. { ولعنهم } أهانهم وأبعدهم عن الخير، والعطف على وعد الله { ولهم عذاب مقيم } دائم وهو عذابهم فى النار، ولا تكرار فى ذلك، لأن كونهم فى النار خالدين فيها غير تعذيبهم دائما، ولو كانا متلازمين، أو هو عذابهم بالزمهرير أو غيره مما هو غير النار، نعوذ بالله من سخطه وعذابه، أو هو عذابهم فى الدنيا لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن خوفا من المسلمين، وما يحذرون من نزول الفضيحة والعذاب.
[9.69]
صفحه نامشخص