هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
، وروى
" أنه رأى ثقبا فى الغار فألقمه عقبه لئلا يخرج ما يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت الأفاعى والحيات تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر، ولما رأى القافة وسمع وقع حوافر دواب المشركين، اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى، فقال له " ما يبكيك يا أبا بكر؟ " فقال إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، ولا يعبد الله بعدك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحزن إن الله معنا " فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خده، وكان أرق خلق الله، وأحضرهم دموعا ".
" وكان حين خرجا إلى الغار، تارة يمشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة أمامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مالك يا أبا بكر؟ " فقال أذكر الطلب فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك "
، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل تمامة فى باب الغار، فجعلها فتخليها المشركون نابتة فانصرفوا، وقيل جعلها بيده. والمشهور أن أنصرافهم عن الغار للحمامتين والبيضتين ونسج العنكبوت، ونسجت العنكبوت أيضا على داود عليه السلام حين طلبه جالوت، وعلى الغار الذى دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه صلى الله عليه وسلم لقتل خالد بن نبيح الهذلى بالعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل فى غار، فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين، وعلى عورة زيد بن الحسين بن على أبى طالب حين قتل وصلب عريانا، فى سنة إحدى وعشرين ومائة. وكان يبيت عندهما إذا كانا فى الغار عبد الله بن أبى بكر وهو شاب ثقف أى ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن، أى سريع الفهم، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا خبرهما به، يأتيهما حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما بعد العشاء بساعة كل ليلة،
" وكان أبو بكر رضى الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم استأجرا عبد الله بن أريقط الديلى، وهو على دين قريش، ولم يعرف له إسلام دليلا، وهو ماهر فى الدلالة، دفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح الثالثة، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، وأخذ بهم الدليل طريق الساحل، ومروا بقديد على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية تسقى وتطعم من مر، وكان القوم مسنتين، فطلبوا لبنا ولحما يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة فى كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل بها من لبن؟ " فقالت هى أجهد من ذلك، فقال " أتأذنين أن أحلبها " فقالت نعم بأبى أنت وأمى، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها، ومسح ضرعها، وسمى الله ففتحت ما بين رجليها، ودرت ودعا بإناء يشبع الجماعة فحلب فيه سائلا، وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرا، ثم حلب فيه وتركه عندها، ولبثت قليلا. وجاء زوجها أبو معبد أكتم بن أبى الجون، ويقال ابن الجون يسوق أعنزا عجافا مخهن قليل، فقال أنى لك هذا يا أم معبد والشاء عازل حيال ولا حلوب فى البيت؟ قالت مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، فقال صفيه يا أم معبد، فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، وضىء الوجه، حسن الخلق، ليس بعظيم البطن، ولا بريق الجسم، عظيم الرأس، حسن الوجه والأعضاء، فى عينه سواد، كثير شعر الجفن، وفى صوته بحة، شديد سواد العين وبياضها، وسواد شعر الأجفان وغيرها، دقيق طرف الحاجبين، كادا يلتصقان ولم يلتصقا، طويل العنق، لا دقيق اللحية ولا طويلها، وفيها كثافة، فى سكوته وقار، وفى كلامه بها يعلو أصحابه، وكلماته كالدر ينحدر، حلو المنطق، كلامه فاصل بين الحق والباطل، ولا يكثر كلامه، ربعة القد، يحف به رفقاؤه، تبادرون لأمره، غير عابس الوجه، ولا يكثر اللوم. فقال هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته ".
قالت أسماء بنت أبى بكر لما خفى علينا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل، فخرجت إليهم فقل أين أبوك؟ فقلت والله لا أدرى أين أبى، فلطم خدى لطمة خرج منها قرطى، وكان فاحشا خبيثا، ثم انصرفوا، وأنشد رجل من الجن يسمع ولا يرى
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتى أم معبد هما نزلا بالبر ثم ترحلا فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصى ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهنا بنى كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادرها دهنا لديها لحالب يرددها فى مصدر ثم مورد
ولما سمع الناس قوله، عرفنا حيث توجه، والضرة لحمة الضرع فاعل تحلبت، والأصل يا آل قصى فخفف بالحذف، أو يكتب بلام متصلة بالقاف، وأسلمت أم معبد وزوجها بعد ذلك، قالت بقيت الشاة إلى خلافة عمر نحلبها صبوحا وغبوقا، وما فى الأرض قليل ولا كثير. وتعرض لهم بقديد سراقة بن مالك بن جشعم، فبكى أبو بكر وقال يا رسول الله أتينا، قال " كلا " ودعا بدعوات فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان فقال أعلم أن قد دعوتما على فادعوا لى، ولكما أن أرد الناس عنكما، فوقفا له، فركب فرسه فجاءهما، قال ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهما بأن قومهما جعلوا دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، وعرضت عليهما الزاد والمتاع ولم يأخذا شيئا. وذكر سراقة أنى بينما أنا جالس فى مجلس قومى بنى مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة إنى رأيت آنفا، أشخاصا بالساحل أرهما محمدا وأصحابه، فعرفت أنهم هم، فقلت ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقا بأعيننا، ثم لبثت فى المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى وتحبسها على وراء أكمة، وأخذت رمحى، فخرجت من ظهر البيت معتمدا على الرمح حتى وصلت الأرض وأتيت فرسى فركبتها تغدو حتى دنوت منهم، فعثرت بى فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام واستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج لا، فركبت فرسى وعصيت الأزلام، ودنوت حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يلتفت مرارا، وساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع فى السماء كالدخان، فرجعت للأزلام فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا إلى آخر ما مر.
وروى أنه ساخت يداها ثلاث مرات، وقيل سبعا، وقال له أخف عنا ما استطعت، قال فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب لى كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لى فى رقعة من جلد مدبوغ.
" وروى أن أبا بكر التفت، فإذا بفارس فقال يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اللهم اصرعه " فصرعه عن فرسه، ثم قامت تحمحم وهو سراقة، فقال يا نبى الله مرنى بما شئت، فقال " قف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا " فكان أول النهار جاهدا على نبى الله صلى الله عليه وسلم، وآخره مسلحة له ".
صفحه نامشخص