1196

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

{ إن عدة الشهور عند الله } متعلق بنسبة الخبر إلى اسم إن وهى عامل معنوى، أو متعلق بمحذوف نعت لعدة على ما ذكر بعض المتأخرين فى مثله، أى إن عدة الشهور الثابتة عند الله، وعلقه القاضى بعدة وهو مصدر { اثنا عشر } وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإسكان العين قبل الشين تخفيفا، لتوالى الحركات { شهرا } لا أكثر، وكانت بالنسىء ثلاثة عشر أو أربعة عشر. والاثنا عشر المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وهى شهور السنة القمرية، مبنية على سير القمر فى المنازل، وهى شهور العرب التى يعتد بها المسلمون فى الصوم والحج والأعياد، وأيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، كذا قيل، وإنما هذا فى عام الكبس، وهو يكون فى كل ثلاثة أعوام وهو القياس، ويقع فى عامين أيضا، وذلك أن العام ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وسدس يوم وخمسه، ففى العام الثالث يكمل يوم وزيادة يسيرة، فيجعل فى آخره، واصطلاحهم أن يكون ذلك فى العام الثانى ينقصان، وذلك أنه إذا اجتمع من الكسور أكثر من نصف يوم عدوه يوما كاملا. وقيل العام ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وربع يوم، إذا جعلنا شهرا ثلاثين وشهرا تسعة وعشرين، استوفت الشهور أيام السنة، وإذا اجتمع من الكسور يوم زيد فى آخر ذى الحجة. والسنة العجمية، تزيد على العام العربى بأحد عشر يوما، وقيل بعشرة، وسبب هذه الزيادة كان الصوم والحج تارة فى الصيف، وتارة فى الشتاء، وتارة فى الربيع، وتارة فى الخريف، وسميت الثلاثون يوما، والتسعة والعشرون يوما شهرا أخذا من الشهرة، ولأن الناس ينظرون إلى الهلال فى أولها ويشهرونه. وأول شهور العام المحرم بضم الميم وفتح الراء مشددة، سمى لتحريم القتال فيه، وقيل لتحريم الجنة فيه على إبليس، وقرن بأل المعرفة إشارة إلى أنه هو أول العام، والصحيح أنها للمح الوصف، فإن محرما اسم مفعول فى الأصل لا للتعريف، وخص بهذا الاسم دون سائر الأشهر الحرام، لأن التحريم فيه أشد، لأنه أفضل منها. وثانيها صفر بفتح الصاد والفاء، سمى لخلو مكة فيه من أهلها لخروجهم للحرب، وقيل لأنه وافق وقت خروجهم منها وتركهم لها. وثالثها ورابعها الربيعان، وسميا لارتباع الناس فيهما أى لإقامتهم فيهما بلا غزو، وقيل لأن إرادة وضع الاسم لهما وافقت ارتباعهم، لكن الصحيح أن الأسماء توقيف، الله علمها آدم. وخامسها وسادسها جمادى الأولى والآخرة بضم الجيم، وبألف التأنيث المقصورة لجمود الماء فيهما بالموافقة لحين الوضع. وسابعها رجب، سمى لتعظيمهم له، وقيل لموافقته حين الوضع تثاقل الشجر بحملها حتى احتاجت إلى الترجيب، وهو جعل ما تعتمد عليه لها، ويسمى الأصم لعدم قعقعة السلاح فيه والأصب لكثرة صب الله سبحانه فيه الرحمة والخيرات، قيل ولعدم تعذيب أمة فيه، ورد بإغراق قوم نوح فيه.

وثامنها شعبان لتفرق القبائل فيه، والتشعب يطلق على التفريق وعلى الاجتماع، وفى الحديث

" سمى لأنه يفرق فيه خير كثير ".

وتاسعها رمضان، لاحتراق الأكباد فيه بالجوع والعطش ، أو احتراق الذنوب فيه، أو لموافقته حين الوضع شدة الحر، ومنع صرفه للعلمية وزيادة الألف والنون، قيل ويسمى شهر رمضان وإنه هذا كله علم عليه، وتعتبر علامتا منع الصرف فى الجزء الثانى لوجودهما فيه كأبى هريرة بمنع هريرة للعلمية والتأنيث، وهذا فى نفسه صحيح، لكن لا أسلم أن مجموع قولك شهر رمضان علم مركب، بل العلم رمضان، والإضافة للبيان إضافة عام لخاص، وزعم بعض أنه لا يقال رمضان، بل شهر رمضان، وزعم مجاهد أن رمضان اسم لله، ومعنى شهر رمضان شهر الله، فلا يجوز أن يسمى باسم لم يرد فى سنة أو قرآن، وإن لم يشعر بنقص، وأسماء رسوله توقيفية إجماعا، لأن تسميته حق له، وحق المخلوق مبنى على المشاحة، وحق الله على المسامحة، فلو خوطبت بما لم يسمك به أبواك لم تسمح نفسك، كذا قال التلاتى، والصحيح أن أسماء الله توقيفية، ولعل له فى ذلك توقيفا. وعاشرها شوال، سمى لرفع الإبل فيه أذنابها للطروق، وقيل لقلة اللبن فيه عند أصحاب الإبل. وحادى عشرها ذو القعدة بفتح القاف وهو أشهر من كسرها، وروى ضمها وهو غريب، سمى لقعودهم عن القتال فيه. وثانى عشرها ذو الحجة بكسر الحاء على الصحيح، وقيل بفتحها اسمى لوقوع الحج فيه فى الإسلام، ولأنه وقت الحج أيضا فى الجاهلية على الأصل، ولو كان تارة فيه، وتارة فى صفر، وتارة فى بقية الشهور للنسائى، قال ابن هشام تكون الحال مؤكدة لعاملها، ولا يقع التمييز كذلك، وأما أن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا، فشهر مؤكد لما فهم من أن عدة الشهور، وأما بالنسبة إلى عامله وهو اثنا عشر فمبين، ولا ينافى هذا قوله فى القطر وشرحه إن هذا تمييز مؤكد لأنه لم يقل مؤكد لعامله. { فى كتاب الله } متعلق بالنسبة التى تعلق بها عند على أنه بدل، أو بمحذوف نعت لاثنى عشر، أو بعدة على ضعف للفصل بين المصدر ومعموله حينئذ بخبر إن، والمصدر ومعموله كالموصول وصلته، ومنعه بعض، وكتاب الله اللوح المحفوظ، أو حكم الله ، والقرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب أقوال ضعف الثالث. { يوم خلق السماوات والأرض } متعلق بكتاب إن جعل مصدرا، أو بالنعت المحذوف النائب عنه قوله { فى كتاب الله } أو بمحذوف مستأنف أى ثبت ذلك يوم خلق السماوات والأرض. { منها أربعة حرم } جمع حرام، والحرام ما منع وهى رجب وهو فرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهى ثلاثة فرد، كانت العرب تعظم الأربعة وتحرم القتال فيها، يلقى أحدهم فيها قاتل ابنه أو أبيه أو أخيه فلا يقتله ولا يروعه، وأعظمها رجب، وسموه متصل الأسنة، لأنهم يدخلون فيه الأسنة فى أغمادها، ولا يركبونها فى مواضعها كالرمح والنبل والسيف، واختلفوا هل القتال فيها جائز أو حرام؟ والصحيح جوازه وعليه الجمهور.

وقد حاصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل الطائف فى ذى القعدة، ووقع بعض قتال، وقال سعيد بن المسيب كان حراما ثم نسخ تحريمه لقوله

براءة من الله ورسوله

وقيل بقوله

قاتلوا المشركين كافة

وقال عطاء بن أبى رباح تالله ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم، ولا فى الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا، وما نسخت والجمهور وعطاء الخراسانى على أنه كان القتال فيها حراما ثم نسخ تحريمه، وكان تحريمها من دين إبراهيم وإسماعيل، وتمسكت به العرب. وذكر بعضهم أن معنى كونها حرما أن المعصية فيها أشد عقوبة منها فى غيرها، وأن الطاعة فيها أكثر ثوابا منها فى غيرها، وفى الحديث

" إن الله اختار من الشهور رمضان وهذه الأربعة، وإن سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة، وإن أعظم الشهور بعد رمضان المحرم "

صفحه نامشخص