1144

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

[8.31]

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } من عندنا أو مما نجده مكتوبا، وذلك كذب على كل حال ليست فصاحة القرآن، وما يتضمنه فى قوتهم وملكتهم، ولا فى ما يجدونه مكتوبا، وإلا فما منعهم من أن يشاءوا القول فيقولوا، وقد حدهم وفرعهم بالعجز، فى غاية من العناد والمكابرة، وحب الغلبة. وعن الكلبى، والسدى، وابن جريج، وابن جبير أن قائل ذلك النظر بن الحارث، أو القول إليهم لأنه فيهم ولرضاهم بقوله ولأنه رئيسهم وقاضيهم وموسوم بالفهم فيهم، وسكون إلى قوله حتى إذا قال شيئا قاله كثيرا، ولأنهم قالوا مثل ما قال، وكان كثير السفر إلى الحيرة وفارس، ويسمع القصص من الرهبان والعجم، ويشترى كتبهم ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرءون ويركعون، ويسجدون ويبكون، وسمع من الأخبار رستم وأسفندياد فقال ذلك. وقيل

" لما رجع من سفرة من أسفاره إلى تلك البلاد، وجد النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ ويركع ويسجد ويبكى، كما رأى هؤلاء فقال ذلك، وقد اشترى نسخة من حديث رستم وأسفندياد، وهو من بنى عبد الدار، وقد قتل صبرا بالصفراء عند الانصراف من بدر فى موضع يقال له الأثيل، وكان الذى أسره المقداد فلما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله قال المقداد هو أسيرى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم " إنه كان يقول فى كتاب الله ما قد علمتم " ثم اعاد الأمر بقتله، فأعاد المقداد قوله، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أغنى المقداد من فضلك " فقال المقداد هذا الذى أردت فضربت عنقه ".

وقتل أيضا صبرا عقبة بن أبى معيط، وما رواه الطبرى، والخازن، عن ابن جبير من أنه قتل يومئذ صبرا الثالث أيضا وهو المطعم بن عدى غير صحيح، لأنه مات قبل بدر، وقال صلى الله عليه وسلم

" لو كان المطعم حيا وكلمنى فى هؤلاء - أشار إلى أسارى بدر - لتركتهم له ".

{ إن هذا إلا أساطير الأولين } ما سطره الأولون من الأخبار واقصص، وأل فى الأساطير للحقيقة لأنه لم يرد أن ذلك مجموع أساطيرهم، بل أراد أنه بعضها، والأساطير جمع أسطورة بمعنى مسطورة، أو جمع إسطار لا جمع أسطر كما زعم بعضهم، وإلا قيل أساطر بدون ياء لأنه ليس فى أسطر ياء ولا مدة تقلب ياء فى الجمع ولما قال { إن هذا إلا أساطير الأولين } قال له عثمان بن مظعون رضى الله عنه اتق الله يا نظر، فإن محمدا يقول الحق، قال النظر وأنا أقول الحق، قال عثمان فإنه يقول لا إله إلا الله، فقال النظر وأنا أقول لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله عندنا، يعنى اللات والعزة، ومناة، قيل وغيرهن. قيل فأنزل الله

قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين

فقال النظر ألا ترون أنه قد صدقنى أن للرحمن ولدا، فقال الوليد ابن المغيرة لا والله ما صدقك، ولكن قال { إن كان } منكرا لقولك فصفق لها النظر وغضب، وقال ما حكى الله عنه فى قوله { وإن قالوا... }

[8.32]

{ وإذ قالوا } وإنما أسند القول إليهم، والقائل النظر لما مر، وقد قيل إنهم قالوا كما قال، وقال أنس القائل هنا أبو جهل { اللهم إن كان هذا } ما يقوله محمد من القرآن والوحى وأنه رسول { هو الحق } لفظ هو فصل، والحق خبر كان، قال الزجاج ولا أعلم أحدا قرأ برفع الحق على أنه خبر هو، والجملة خبر كان، وقال جار الله قرأ الأعمش بالرفع على ذلك، وأل فى الحق للعهد، أى الحق الذى يدعيه النبى صلى الله عليه وسلم، وهو كونه حقا منزلا لا الحق مطلقا، لتجويزهم أن يكون حقا غير منزل، كما اعتقدوا فى أساطير الأولين، وقيل أرادوا بأساطير الأولين أكاذيبهم، وزاد لما ذكرته إيضاحا لقوله { من عندك } وهو حال من الحق، أو خبر ثان لكان مطلقا، أو خبر ثان للمبتدأ فى قراءة الرفع فقط، وروى أنه لما قال النظر { إن هذا إلا أساطير الأولين } قال له النبى صلى الله عليه وسلم " ويلك إنه كلام الله " فقال { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } { فامطر علينا } ألق علنيا كهيئة الأمطار { حجارة } عقوبة لنا على الإنكار كما فعلت بأصحاب الفيل وبقوم لوط { من السماء } فائدته مع أن الإمطار لا يكون إلا من السماء، الإشارة إلى أن الحجارة هى المسومة للعذاب، المعدة فى السماء، أو أرادوا مطلق الحجارة، فقوله { من السماء } تقوية. { أو ائتنا بعذاب أليم } غير أمطار الحجارة كالإحراق والإغراق، والخسف والصيحة، ونحو ذلك مما عذبت به الأمم، وهذه المقولة أبلغ فى التكذيب من الأولى، وهم فيها أشد وثوقا حتى إنهم جعلوا حقيقة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمحال، بحيث علقوا بها أحد العذابين، معتقدين أنها منتفية فضلا عن أن يعذبوا، وفى ذلك أيضا تهكم منهم بالنبى صلى الله عليه وسلم ومن قال بقوله، وفى مجرد قولهم { إن كان هذا هو الحق } أيضا تهكم بمن يقول على سبيل الحصر، إنما يقول صلى الله عليه وسلم هو الحق. قال معاوية لرجل من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال أجهل من قومى قومك إذ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق { إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة } ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له، وما بين نزول الآية فى قول النظر وموته إلا بضعة عشر يوما.

صفحه نامشخص