هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، فنزل بأدنى ماء بدر، فقال له الخباب بن المنذر بن الجموح يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال " بل الرأى والحرب والمكيدة " قال يا رسول الله صلى الله عليك، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم تغور ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضا فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد أشرت بالرأى " فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء إلى القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية ".
[8.12]
{ إذ يوحى } إذ بدل من إحدى الإذات قبلها، أو متعلق بيثبت، أو مفعول لاذكر مستأنفا { ربك إلى الملائكة أنى معكم } فى تثبيت المؤمنين وإعانتهم، والمصدر من خبر إن مفعول يوحى، وقرأ عيسى ابن عمر فى رواية بكسر الهمزة إجراء للإيحاء مجرى القول، أو تقديرا للقول، وهذا الوحى إلهام أو إرسال بعض الملائكة إلى بعض { فثبتوا الذين آمنوا } بإلقاء الخير فى قلوبهم إلهاما كما يلقى الشيطان فيها لشر وسوسة، وبحضور القتال وبالقتال على القول به، وبالتبشير بالظفر، يمشى الملك أمام الصف بصورة رجل يعرفونه ويقول أبشروا فإن الله ناصركم عليهم، لأنكم تعبدونه، وهؤلاء لا يعبدونه، ويقول آخر ما أرى الغلبة إلا لنا، ويقول آخر أقدم يا فلان، ويقول أحدهم للذى يليه من المؤمنين لقد بلغنى أن الكفار قالوا لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن، ولا يختص إيهام الملك باسم اللمة كما يوهم كلام بعضهم لما ورد فى الحديث
" إن لكل من الملك والشيطان لمة ".
{ سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } قال القاضى هو كالتفسير لقوله { إنى معكم فثبتوا } وهو حسن وذلك من جملة ما أوحى إلى الملائكة، ويجوز أن لا يقصد به التفسير، وقرئ بضم العين، وهو قراءة الأعرج بن عامر، والكسائى ومعناه على القراءتين الخوف { فاضربوا فوق الأعناق } أى اضربوهم فى أعالى الأعناق وهى مواضع الذبح، وهى مفاصل، فيكون الضرب فيها تطييرا للرأس، وقال عكرمة اضربوهم فى الرءوس، فإن الرأس فوق العنق، وعليه المبرد، واحتج بالآية على جواز ضرب الكافر فى وجهه، لأن كلا من الوجه وسائر الرأس هو فوق العنق. وقال الأخفش فوق زائد مضاف للمفعول، وبه قال الضحاك، وعطية، وقيل بمعنى على، وفى أى موضع من العنق ضرب فقد ضرب على العنق، وزعم ابن قتيبة أن فوق بمعنى دون، قال ابن الأنبارى كانت الملائكة لا تعرف كيف تقتل الآدمى، فعلمهم الله كيف يفعلون بقوله { فاضربوا فوق الأعناق }. { واضربوا منهم كل بنان } أصابع اليدين والرجلين، فمن ضرب فى العنق مات أو فى الأصابع لم يتمكن من قبض السلاح، والقتال به، ولم يقو على سرعة الانتقال، لأن أصابع الرجلين تقوى على المشى، وعن بعضهم أبيح لهم الضرب فى كل موضع، ولكن خص الموضعان بالذكر لأنهما أبلغ، وقيل مثل لهم لمطلق الضرب بالضرب أعلى الجسد وأسفله، والمراد إدخال كل عضو، وهذا على أن البنان أصابع الرجلين، وقيل المراد أصابع اليدين، قيل سميت بذلك لأن بها إصلاح ما أريد عمله باليد، وقيل البنان المفاصل من كل عضو، وعن الحسن البنان الأعضاء وهو جمع بنة أو بنانة، وذلك على أن الملائكة قاتلت، ومن قال لم تقاتل جعل الخطاب فى قوله { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } للمؤمنين.
ويجوز أن يكون { سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } مقولا للمؤمنين أيضا مع ما بعده، ويجوز أن يكون مع ما بعده تلقينا للملائكة ما يثبتون به المؤمنين، كأنه قال قولوا لهم ما يتضمنه قولى هذا من إلقاء الرعب، والضرب فوق الأعناق، وفى كل بنان، أو قولوا لهم إن الله قال { سألقى فى قلوب } الخ، ويجوز أن يكون { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } فى معنى الخبر عن صورة الحال، كما تقول لمن تخاطبه ناولت الأعرابى جبة فأقنعنى فيها، خذ هذه الشاة وخذ هذه الغرارة من بر، وخذ هذا الجراب من أقط، تريد أن هذه حالى معه والخطاب للمؤمنين أو للملائكة، أى ستكون حال الكفار هكذا. وعن السهيلى ما وقعت ضربة يوم بدر إلا فى رأس أو مفصل، وهذا يقوى أن المراد بفوق الأعناق الرءوس، قال وكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود فى الأعناق والبنان، ويتبادر من كلامه أن الأمر بالضرب فوق الأعناق وفى البنان كان للملائكة والمؤمنين جميعا.
[8.13]
{ ذلك } الواقع من القتل والأسر، أو من الضرب فوق الأعناق وفى البنان، أو الأمر به، أو كلاهما، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل واحد من المخاطبين قيل على سبيل البدلية، وهو مبتدأ وخبره قوله { بأنهم } بسبب أنهم { شاقوا } خالفوا { الله ورسوله } وهو مفاعلة من الشق بمعنى القطع والفصل، وذلك أنهم عزلوا أنفسهم عن شرع الله، أو عن أوليائه، فهم منقطعون عنه وهو منفصل عنهم أو معنى المشاقة أن كلا فى شق أى جانب خلاف شق الآخر، فهم جانب، وشرع الله فى جانب، كالمعاداة من العدوة هذا فى عدوة أى جانب، وذاك فى عدوة، والمخاصمة من الخصم هذا فى خصم، أى جانب، وذاك فى خصم. { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } له، فإن أريد عقاب الدنيا، أو مطلق العقاب فذلك تقرير لقوله { بأنهم شاقوا الله ورسوله } وإن أريد عقاب الآخرة فوعيد لهم بعذاب الآخرة بعد ما أصابهم فى الدنيا.
[8.14]
{ ذلكم } فالخطاب للكفار التفاتا من الغيبة فى { بأنهم شاقوا } والإشارة لما وقع من القتل والأسر، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أى ذلكم واقع، أو ذلكم العقاب، أو خبر لمحذوف، أى الأمر ذلكم، أو العقاب ذلكم، أو مفعول لمحذوف، أى باشروا ذلكم، ومن أجاز عمل اسم الفاعل محذوفا أجاز أن يقدر عليكم ذلكم فهو مفعول لاسم الفعل وهو عليكم، ويجوز هذا التقدير على أن عليكم جار ومجرور خبر، وذلكم مبتدأ، و الفاء فى قوله { فذوقوه } عاطفة إلا أن فى بعض هذه الأوجه عطف الطلب على الأخبار، والفعلية على الاسمية، فيخرج عن ذلك فى ذلك البعض بجعل هذا الاستئناف، ويجوز كون ذلكم منصوبا على الاشتغال، فتكون الفاء زائدة، والمراد بالذوق ملابسة ذلك، أو الإشارة إلى أنه يسير بالنسبة إلى ما أعد لهم فى الآخرة. { وأن للكافرين عذاب النار } عطف على ذلكم، أو فاعل لمحذوف، أى ووجب أن للكافرين عذاب النار لا مفعول معه، لأنه كما قال ابن هشام لا يكون إلا اسما صريحا، وأجاز غيره أن يكون مؤولا، فعليه يجوز أن يكون ذلك مفعولا معه، أى ذوقوا هذا العاجل مع ثبوت النار لكم فى الآخرة، وعن الحسن وإن للكافرين بكسر الهمزة على الاستئناف، أو لعطف الجملة بتمامها على الفعلية والاسمية قبلها، وإن أريد بالكافرين على القراءتين مطلق الكفار على العموم فعلى ظاهره، وإن أريد المخاطبون بالذوق ففيه وضع الظاهر موضع المضمر، ولزم منه الالتفات من الخطاب بالغيبة، لأن الظاهر من قبيل الغيبة، والأصل وإن لكم عذاب النار، ونكتة ذلك الدلالة على أن سبب العذاب فى الآخرة، أو سبب الجمع بين العذابين هو الكفر.
صفحه نامشخص