لم نتعود تناول الطعام على موائد الملوك، ولا يليق ذلك بمن وهب نفسه لله من النساك الزاهدين، ولكنني أحرص على أن أتعرف بحاشية صاحب الجلالة وبأركان دولته، لما لذلك من صلة روحية بصنع التاج وحسن تأثيره، فلتكن مشيئة الملك، وقد ثبت لي مما رأيت وسمعت أنه قريب من الله، ربنا جميعا.
تهلل وجه الملك لقبول الأستاذ ضيافته، وإنه ليعلم أن الصالحين من النساك والزاهدين كانوا فعلا في تلك العصور يتورعون عن أموال الحكام، ولو ملوكا، وعن طعامهم، لما يعتقدون فيها من الشبه، ولم ينتبه الملك المأخوذ بشعوذة الساحر وبسحر بيانه إلى مداورته في حديثه، وقد جعل القصر وقد أراده الملك أن يكون لسكن الساحر مؤقتا، عطاء ومنحة ووسيلة زهو، فحوله لهبة دائمة، وكل ذلك عن طريق التورع والتقى والعفة والتواضع، فسبحان من حير العقول في تكوين خلقه!
لم ينتبه صاحب الجلالة لكل ما يقوم به المشعوذ من مداورات واحتيال، وقد أصبح مستسلما إليه بعد ما رأى من عجائب، وبعد ما سمع من عبارات التقى والورع والزهد والعفة والترفع عن حطام الدنيا، فلم يعد باستطاعته أن يحمل قوله على غير محمل حسن الظن والقداسة، ثقة منه بطيب نفسه وبصحة تفكيره ورقة شعوره، وباتصاله بعالم الملكوت؛ لذلك أراد أن يصرف المدة الباقية لموعد الغداء مع رجل الله، يستطلعه رأيه في أحوال المملكة، فوجه إليه السؤال التالي:
الملك :
ينقل إلي من حين لآخر شكوى الشعب من إسراف الدولة ورجالها، ومن تفشي الرشوة وإثراء أكثر أرباب المناصب، ولا سيما الكبار، على حساب الشعب في إفقاره وتجويعه، ووزير الميسرة يؤيد ما يقال، ويطالب بقطع أيدي هؤلاء المسرفين المرتشين، فما رأي الأستاذ الجليل؟
الأستاذ :
غريب والله أمر هذا العصر وبنيه، فمتى كان للشعب أن يتطاول إلى رجال الدولة وأركانها فينقد أعمالهم؟! إن الشعب رعية، وهل يحق للرعية أن تناقش راعيها؟ انقلبت الأوضاع وفسد الزمن، ثم ماذا يرى الشعب؟ إسرافا؟! وهل تقوم هيبة الدولة على غير الإسراف؟! إننا محاطون بدول، يقصدنا سفراؤها ورجال الأعمال فيها، وهم يتصلون بالأمراء والوزراء ورجال الوجاهة والنفوذ، وكثيرا ما يتصلون بصاحب الجلالة نفسه، فهل يجد هؤلاء سلطانا للدولة إلا فيما يمد لهم من سمط وموائد، وفيما يقدم لهم من أطعمة وهدايا وبإسراف؟ وهل يشعرون بهيبة الدولة إلا فيما يبني رجالها من قصور وفيما يعمرون من قرى؟ وهل إذا ما قبل هؤلاء هدايا الناس ومكافآتهم ليقوموا بواجب تشييد القصور وإعمار القرى يكونون مرتشين؟ أعوذ بالله، إنما هي ضريبة غير مباشرة يتقاضونها، ولو مالوا في ذلك لخزينة الدولة لأفرغوها وأصبحت خاوية، الرشوة إنما وضعت كلمتها لمنع صغار العمال في الدولة من استيفاء مثل هذه الضريبة لإطعام أولادهم الجياع، وهي ليست من حقوقهم، وليس لها أن تقف في سبيل ما تستدعيه هيبة الدولة من زهو في نفوس رجالها، ومن ترف في حياتهم، فهذا حق طبيعي لهؤلاء الأشراف المهذبين والذوات المختارين، وإنما الشعب رعية للملك ومقربيه، وهو غنم لهم، يقتسمونه حسب مشيئة الملك ورعايته. أما إفقار الشعب وتجويعه فهي سياسة حكيمة يجب على الملك اتباعها من حين لآخر ليظل المسيطر على مقدراته، ومتى استمر شبع الشعب وثراؤه، يخشى منه على العرش وعلى من حوله من المؤيدين، هذه هي سنة الكون، والناس طبقات، ولكل طبقة حقوقها، والملك وحده هو الذي يملك حق التصرف بكل ما في المملكة من رعية ومقتنيات، وليس لأحد أن ينافسه في ذلك بله أن ينازعه، يا سبحان الله! انقلبت المفاهيم وأصبحنا في عصر كله سخف وحماقات وغرور وشذوذ، أسأله سبحانه وتعالى أن يلهمنا طريق الصواب، فنوقف كل إنسان عند حده بمعاونة أبناء الحلال، آمين، ولعل مولاي يستغرب هذا البيان مني وأنا الناسك الزاهد المنصرف إلى الله؟ ولكن للدين نظامه وحدوده وللملك والسلطان والدولة نواميسها ومقتضيات تطوراتها وأحوالها، ولا يظلم من يتبع النواميس والتقاليد.
الملك :
ولكن ألا يتنافى ما تقول مع ما تدعوني إلى تحقيقه من حرية وعدالة؟
الأستاذ :
صفحه نامشخص