وإن وحدة المصالح والمعتقدات، وإن كانت تؤدي إلى تجانس الأمة، لا تعطيها من الوسائل ما تقدر به على الفتح العالمي، ولو كانت أركان العالم متداعية كالدولة الإغريقية الرومانية والدولة الفارسية في زمن ظهور محمد، فقد كانت تانك الدولتان مرهوبتين مع ما كان يبدو من وهنهما، فكان لا بد للأمة التي تريد محاربتهما من أن تكون ذات صفات حربية عظيمة، فضلا عن معتقداتها التي توجه جهودها إلى غرض واحد، ولم يحتج العرب إلى ما يتطلبه مثل هذا العمل الجليل من الشجاعة وحب القتال ما ورثهما العرب أبا عن جد، مضافا ذلك إلى ما نشأ عن إيمان العرب الجديد من حرصهم على الشهادة حبا للجنة التي وعدوا بها.
ولكن العرب كانوا يجهلون فن الحرب جهلا تاما، ولا تقوم الشجاعة مقام هذا الفن، وكان اقتتال العرب فيما بينهم من نوع اقتتال البرابرة الذين ينقضون على أعدائهم بلا نظام، ولا يحارب كل واحد إلا من أجل نفسه، وكان غير هذا أمر الفرس والروم الذين كانت معرفتهم لفن الحرب عظيمة جدا كما ظهر من اشتباكهم الأول بالعرب، ولم يلبث العرب أن علموا من الهزائم التي أصابتهم في سورية ما كان يعوزهم، وأن اقتبسوا من قاهريهم كثيرا من شؤون الحرب، وأخذوا عمن التحق بهم من الرجال الذين اجتذبهم الإيمان الجديد ما كانوا يجهلون من فنون تعبئة الجيش والنظام وأعتدة الحرب، وقد تم استعدادهم في بضع سنين، وقد بهت الروم حين حاصر العرب دمشق، ورأوهم مجهزين بمثل ما كان عندهم من الآلات الحربية الكاملة الجيدة. (2) طبيعة فتوح العرب
لم تقل براعة الخلفاء الأولين السياسية عن براعتهم الحربية التي اكتسبوها على عجل، وذلك أنهم اتصلوا منذ الوقائع الأولى بسكان البلاد المجاورة الأصليين الذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة، والذين كانوا مستعدين لأن يستقبلوا بترحاب وحبور أي فاتح يخفف وطأة الحياة عنهم، وكانت الطريق التي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يحجمون عن حمل أحد بالقوة على ترك دينه، وعرفوا كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يسلم، وأعلنوا في كل مكان أنهم يحترمون عقائد الشعوب وعرفها وعاداتها، مكتفين بأخذهم، في مقابل حمايتها، جزية زهيدة تقل عما كانت تدفعه إلى سادتها السابقين من الضرائب.
قطعة من نقود ابن طولون (157ه / 870م).
قطعة من نقود الخليفة الرضي (327ه / 933م).
وكان العرب، قبل أن يسعوا إلى فتح بلد، يرسلون رسلا حاملين إليه شروطا للوفاق، وتكاد هذه الشروط تكون مماثلة للشروط التي عرضها عمرو بن العاص على أهالي غزة حين حصاره لها في السنة السابعة عشرة من الهجرة، وللشروط التي عرضت على المصريين وأهل فارس، وتلك الشروط التي عرضها عمرو بن العاص هي - كما رواه المؤرخ العربي - المكين، ما يأتي: «أمرنا صاحبنا أن نقاتلكم إلى أن تكونوا في ديننا فتكونوا إخوتنا، ويلزمكم ما يلزمنا فلا نتعرض إليكم، فإن أبيتم أعطيتم الجزية في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم إن تعرض إليكم في وجه من الوجوه، ويكون لكم عهد علينا، فإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا السيف فنقاتلكم حتى تفيئوا إلى أمر الله.»
شكل 3-5: قطعتان من نقود الخليفة الفاطمي المستنصر (442 و465ه/1050 و1072م).
ويثبت لنا سلوك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مدينة القدس مقدار الرفق العظيم الذي كان يعامل به العرب الفاتحون الأمم المغلوبة، والذي ناقضه ما اقترفه الصليبيون في القدس بعد بضعة قرون مناقضة تامة، فلم يرد عمر أن يدخل مدينة القدس معه غير عدد قليل من أصحابه، وطلب من البطرك صفرونيوس أن يرافقه في زيارته لجميع الأماكن المقدسة، وأعطى الأهلين الأمان، وقطع لهم عهدا باحترام كنائسهم وأموالهم، وبتحريم العبادة على المسلمين في بيعهم.
1
شكل 3-6: قطعة من نقود صلاح الدين ضربت بدمشق سنة 583ه / 1187م وعلى أحد وجهيها اسم الخليفة العباسي ببغداد.
صفحه نامشخص