غرائب القرآن و رغائب الفرقان
غرائب القرآن و رغائب الفرقان
إبراهيم وصار ذلك مؤكدا بدعائه فقيل : نعم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» (1) ولقوله ( عند بيتك المحرم ) [إبراهيم : 37] وقيل : إنما صارت حرما آمنا بدعوته ، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله : «إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» (2) وقيل بالجمع بينهما ، وذلك أنه كان ممنوعا قبله بمنع الله تعالى من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمنا على ألسنة الرسل. و ( من آمن منهم ) بدل من ( أهله ) يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فعرف الفرق بينهما فقيل ( ومن كفر ) عطفا على ( من آمن ) كما مر في ( ومن ذريتي ) أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه ( فأمتعه ) وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل : من استرعى الذئب فقد ظلم. وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة ، ولأنه قد يكون استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و ( قليلا ) أي إمتاعا أو تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل ، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت ، والزائل لا يجدي بطائل ( أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) [الشعراء : 205 207] ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) [الطور : 13] ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم ) [الزمر : 71] أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلا ( وبئس المصير ) ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار ، فحذف المخصوص للعلم به. والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال : صرت إلى فلان مصيرا وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل «معاش» وكلاهما مستعمل والله أعلم.
صفحه ۳۹۵