364

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ، فيعود ثالثا فيرجع على رأسه فيشدخه ، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟ هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد ، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له ، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له ، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوبا محبا له ، ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) [فصلت : 34] ، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعا والله الموفق. واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه ، فكيف يعاقب عليه؟ وإنما الداخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه ، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق ، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم ، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه. الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة.

قوله ( من عند أنفسهم ) إما أن يتعلق ب ( ود ) أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ، لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق ، وإما أن يتعلق ب ( حسدا ) أي منبعثا من أصل نفوسهم ( فاعفوا واصفحوا ) فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائما بل ( حتى يأتي الله بأمره ) عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة ، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين ، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية ، وتحمل الذل والصغار. والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعا فليس كقوله ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [البقرة : 187] بل يحل محل قوله ( فاعفوا واصفحوا ) إلى أن أنسخه عنكم. عن الباقر عليه السلام : إنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل بقوله ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) [الحج : 39] وقلده سيفا فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر. فإن قيل : كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة ، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟ قلنا : إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والاستعانة بسائر أصحابه ، فأمروا أن لا

صفحه ۳۶۶