فصاح الشيخ: هل تحققت من موته؟
قال: نعم يا مولاي.
فقال الشيخ: وما سبب موته وعهدنا به صحيح البدن، ولم يجاوز الثامنة والثلاثين؟
قال الرجل: سمعتهم يقولون إنه أصيب بداء الجنب والذبحة، وكأنه ذاب ذوبان الرصاص.
فتظاهر الشيخ بالأسف وأشار إلى عامر أن يصرف رسوله ففعل ثم عاد، وخلا الأربعة في إحدى حجرات صرح الغدير، ولم يمر بأحدهم يوم أسعد من ذلك اليوم، ولا سيما سلمى؛ لأنها هي التي باشرت الانتقام بنفسها.
ونظر إليها عبد الرحمن نظرة المحب المفتون وقال: لا أدري كيف أبدي لك حبي وقد أحرزت أشرف خلال النساء وأندر خلال الرجال، فحويت الجمال والوقار والحكمة والعقل والشجاعة، وحسبك أنك قتلت ذلك الدعي وأنقذت المسلمين من ظلمه، وانتقمت لأبيك انتقاما عجزنا كلنا عنه.
فقالت سلمى: إني إنما فعلت ذلك لأنه الواجب.
وكان الشيخ في أثناء ذلك شاخصا في الفضاء كأنه مستغرق في أمر ذي بال، وعامر ينظر إليه من طرف خفي ويتفرس في وجهه لمشابهته رجلا يعرفه، وهو عزيز عليهم جميعا، ثم انتبه الشيخ الناسك كأنه هب من رقاد والتفت إليهم وقال: آن لي أن أقص عليكم ما تتساءلون عنه من خبري. تعالوا معي. فساروا في أثره حتى دخلوا غرفة، فجلس وقد تغير وجهه وبان الجد في عينيه وكأنه كان مصابا بالجنون وعاد عقله إليه في تلك الساعة، وظهر ضعف الشيخوخة فيه، وقبل أن يقص حكايته التفت إلى عامر وقال: ألم تعرفني يا عامر؟
فتفرس فيه عامر وقال: قد عرفتك الآن فقط، ألست عديا والد حجر؟
قال: نعم.
صفحه نامشخص