فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
الباب الأربعون ومائتان في الإنس
الإنس بالإنس لا بالصور يجمعنا . . . فاحذر فإنك ممكور ومخدوع
لا تقف ما لست تدريه وتجهله . . . فإن ودك مفروق ومجموع
أنت الامام ولكن فيك حكمته . . . تعطى بأنك مخلوق ومصنوع
فكيف يأنس من تفنى شواهده . . . أكوانه وهو في الاسماع مسموع
اعلم أيدنا الله بروح منه أن الإنس عند القوم ما تقع به المباسطة من الحق للعبد وقد تكون هذه المباسطة على الحجاب ةعلى الكشف والإنس حال القلب من تجلى الجمال وهو عند أكثر القوم من تجلى الجمال وهو غلط من جملة ما غلطوا فيه لأن لهم أغاليط في العبارة لعدم التمييز بين الحقائق فما كل أهل الله رزقوا التمييز والفرقان مع الشهود الصحيح ولكن الشأن في معرفة ما هو هذا الذي وقع عليه الشهود وقد رأينا جماعة ممن شهد حقا ولكن ما عرف ما شهد وحمله على خلاف طريقة فلا بد من التجلي من تعريف إلهي أما بصفات الإلها وأما بما شاءه الحق من أنواع التعريف وللإنس بالله علامة عند صاحبه فإنه موضع بغلط فيه كثير من أهل الطريق فيجدون إنسا في حال ما يكون عليه فيتخيل أن ذلكإنس بالله فإذا فقد ذلك الحال فقد الإنس بالله فعندنا وعند الجماعة أن أنسه كان بذلك الحال لا بالله لأن الإنس بالله إذا وقع لم يزل موجودا عنده في كل حال ولذلك يقول القوم من أنس بالله في الخلوة وفقد ذلك الإنس في الملا فإنسه كان بالخلوة لا بالله واعلم أنه لا يصح الإنس بالله عند المحققين وإنما يكون الإنس باسم إلهي خاص معين لا بالاسم الله وهكذا جميع ما يكون من الله لعباده لا يصح الإنس بالله عند المحققين وإنما يكون الإنس باسم الجامع لحقائق الاسماء الإلهية فلا يقع أمر لشخص معين في الكون إلا من اسم معين بل ولا يظهر في الكون كله أعني في كل ما سوى أحكامه ظهور العالم وحبه سبحانه لذلك الظهور والغنى عن العالم لا يفرح بالعالم والله يفرح بتوبة عبده فالاسم الله تعلم الله شئ يعمه إلا من اسم خاص معين لا يصح أن يكون الاسم الله فإنه من أحكامه أيضا الغنى عن العالم لا يفرح بالعالم والله يفرح بتوبة عبده فالاسم الله تعلم مرتبته ولا يتمكن ظهور حكمه في العالم لما فيه من التقابل وهذه مسئلة عظمية جليلة القدر صعبة التصور في الإلهيات فإن الشئ إذا اقتضى أمر الذاته فمن المحال أن تتصف الذات بالغنى عن ذلك الأمر كما لا تتصف بالأفتقار إليه وقد ورد الغنى عن العالمين فإن جعلناه غنيا عن الدلالة كأنه يقول ما أوجدت العالم ليدل على ولا اظهرته علامة على وجودي وإنما أظهرته ليظهر حكم حقائق أسمائي وليست لي علامة على سوائي فإذا تجليت عرفت بنفس التجلي والعالم علامة على حقائق الاسماء لا على وعلامة أيضا على أني مستنده لا غير فالعالم كله ذو إنس بالله ولكن بعضه لا يشعر أن الإنس الذي هو عليه بالله لأنه لا بد أن يجد إنسا بأمر بطريق الدوام أو بطريق الإنتقال بإنس يجده بأمر آخر وليس لغير الله الأكوان حكم فإنسه لم يكن إلا بالله وإن كان لا يعلم والذي ينظر فيه أنه إنس به فذلك صورة من صور تجليه ولكن قد يعرف وقد ينكر فيستوحش العبد من عين ما أنس به وهو لايشعر لاختلاف الصور فما فقد أحد الإنس بنفوسهم لا بالله إذ استوحش أحد إلا من الله والإنس مباسطة والإستيحاش انقباض وإنس العلماء بالله إنما هو إنسهم بنفوسهم لا بالله إذ قد علموا أنهم ما يرون من اللله سوى سوى صورة ما هم عليه ولا يقع إنس عندهم إلا بما يرون وغير العارفين لا يرون الإنس إلا بالغير فتدركهم الوحشة عند انفرادهم بنفوسهم وكذلك الإستيحاش إنما يستوحشون من نفوسهم لأن الحق مجلاهم فهم بحسب ما يرونه فيهم بل فيه من أحوالهم فيقع الحكم فيهم بالإنس أو الوحشة وحقيقة الإنس لإنما تكون بالمناسب فمن يقول بالمناسبة يقول بالإنس بالله ومن يقول بارتفاع المناسبة يقول لا أنس بالله ولا وحشة منه وكل واحد بحسب ذوقه فإنه الحاكم عليه ومن له الإشراف من أمثالنا على المقامات والمراتب ميز وعرف كل شخص من أين تكلم ومن نطفه وأنه مصيب في مرتبته غير مخطئ بل لا خطأ مطلقا في العالم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
صفحه ۵۳۰