859

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

فما تركت لها عينا ولا أثرا . . . بذلك السيف في الأخرى وفي الدنيا اعلم أيدك الله أن للإنسان حالتين حالة تسمى النوم وحالة تسمى اليقظة وفي كلتا الحالتين قد جعل الله له غدراكات يدرك به الأشياء تسمى تلك الإدراكات في اليقظة حسا وتسمى في النوم حسا مشتركا فكل شئ تبصره في اليقظة يسمى رؤية وكل ما تبصره في النوم يسمى رؤيا مقصورا وجميع ما يدركه الإنسان في النوم هو مما ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس وهو على نوعين أما ما أدراك الحواس في أصل خلقته فلا يدركه في النوم أبدا فالأصل الحس والإدراك به في اليقظة والخيال تبع في ذلك وقد يتقوى الأمر على بعض الناس فيدركون في البقظة ما كانوا في النوم وذلك نادرا وهو لأهل هذا الطريق من نبي وولي هكذا عرفناه فإذا علمت هذا فاعلم أيضا أن النبوة خطاب الله تعالى أو كلام الله تعالى كيفما شئت قلت لمن شاء من عباده في هاتين الحالتين من يقظة ومنام وهذا الخطاب الإلهي المسمى نبوة على ثلاثة أنواع نوع يسمى وحيا ونوع يسمعه كلامه من وراء حجاب ونوع بوساطة رسول فيوحى ذلك الرسول من ملك أو بشر بإذن الله ما يشاء لمن أرسله إليه وهو كلام الله إذ كان هذا الرسول إنما يترجم عن الله كما قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فالوحي منه ما يلقيه إلى قلوب عباده من غير واسطة فاسمعهم في قلوبهم حديثا لا يكيف سماعه ولا يأخذه حد ولا يصوره خيال ومع هذا يعقله ولا يدري كيف جاء ولا من أين جاء ولا ما سببه وقد يكلمه من وراء حجاب صورة ما يكلمه به وقد يكون الحجاب بشريته وقد يكون الحجاب كما كلم موسى من الشجرة من جانب الطور الأيمن له لأنه لو كلمه من الأيسر الذي هو جهة قلبه ربما ألتبس عليه بكلام نفسه فجاءه الكلام من الجانب الذي لم تجري العادة أن تكلمه نفسه منه وقد يكلمه بوساطة رسول من ملك كقوله ' نزل به الروح الأمين على قلبك ' يعني القرآن الذي هو كلام الله وقد يكون بوساطة بشر وهو قوله فأجره حتى يسمع كلام اللله فأضاف الكلام إلى الله وما سمعته الصحابة ولا هذا الأعرابي إلا من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست النبوة بأمر زائد على الأخبار الإلهي بهذه الأقسام والقرآن خبر الله وهو النبوة كلها لأنه الجامع لجميع ما أراد الله أن يخبر به عباده وصح في الحديث أنه من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه فإذا تقرر ما ذكرناه فاعلم أن مبدأ الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا فكان لا يحدث أحدا صلى الله عليه وسلم بحديث عن تزوير يزوره في نفسه بل يتحدث بما يدركه بأحدى قواه الحسية أو بكاملها ما كان يحدث بالغرض ولا يقول ما لم يكن ولا ينطق في اليقة عن شئ يصوره في خياله مما لم ير لتلك الصورة بجملتها عينا في الحس فهذا سبب صدق رؤياه وإنما بدئ الوحى بالرؤيا دون الحس لأن المعاني المعقولة أقرب إلىالخيال منها إلى الحس لأن الحس طرف أدنى والمهنى طرف أعلى وألطف والخيال بينهما والوحي معنى فأراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلا بد أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحس والخيال من حقيقته أن يصور كل ما عنده في صورة المحسوس لا بد من ذلك فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمى رؤيا وإن كان في حال اليقظة سمى تخيلا أي خيل إليه فلهذا بدئ الوحي بالخيال ثم بعد ذلك انتقل الخيال إلى الملك من خارج فكان يتمثل له الملك رجلا أو شخصا من الأشخاص المدركة بالحس فقد ينفرد هذا الشخص المراد بذلك الوحي بادراك هذا الملك وقد يركه الحاضرون معه فيلقى على سمعه حديث ربه وهو الوحي وتارة ينزل على قلبه صلى الله عليه وسلم فتأخذه البرحاء وهو المعبر عنه بالحال فإن الطبع لا يناسبه فلذلك يشتد عليه وينحرف له مزاج الشخص إلى أن يؤدي ما أوحى به إليه ثم يسرى عنه فيخبر بما قيل له وهذا كله موجود في رجال الله من الأولياء والذي أختص به النبي من هذا دون الولي الوحي بالتشريع فلا يشرع ألا النبي ولا يشرع ألا رسول خاصة فيحلل ويحرم ويبيح ويأتي بجميع ضروبالوحي والأولياء ليس لهم من هذا الأمر ألا الأخبار بصحة ما جاء به هذا الرسول وتعيينه حتى يكون هذا التابع على بصيرة فيما تعبده به ربه على لسان هذا الرسول أذ كان هذا الولي لم يدرك زمانه حتى يسمع منه كما يسمع أصحابه فصار هذا الولي بهذا النوع من الخطاب بمنزلة الصاحب الذي سمع من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شرع ولذلك جاء في القرآن أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني وهم هؤلاء الذين ذكرناهم فرب حديث صحيح من طريق رواية الثقات عندنا ليس بصحيح في نفس الأمر فنأخذه على طريق غلبة الظن لا على العلم وهذه الطائفة التي ذكرناها تأخذه من هذا الطريق فنكون من عدم صحة ذلك الخبر الصحيح عندنا على بصيرة أنه ليس بصحيح في نفس الأمر وبالعكس وهو أن يكون الحديث ضعيفا من أجل ضعف الطريق من وضاع فيه أو مدلس وهو في نفس الأمر صحيح فتدرك هذه الطائفة صحته فتكون فيه على بصيرة فهذا معنى قوله تعالى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني وهم هؤلاء فهم ورثة الأنبياء لأشتراكهم في الخبر وأنفراد الأنبياء بالتشريع قال تعالى ' يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ' فجاء بمن وهي نكرة لينذر يوم التلاق فجاء بما ليس بشرع ولا حكم بل بأنذار فقد يكون الولي بشيرا ونذيرا ولكن لا يكون مشرعا فإن الرسالة والنبوة بالتشريع قد أنقطعت فلا رسول بعده ولا نبي أي ى مشرع ولا شريعة فاعلم ذلك فلنرجع إلى ما بوبنا عليه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أن الرسالة والنبوة قد أنقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي قال فشق ذلك على الناس فقال لكن المبشرات فقالوا يا رسول الله وما المبشرات فقال رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة هذا حديث حسن صحيح من حديث أنس بن مالك حدثنا به أمام المقام بالحرم المكي الشريف تجاه الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود سنة أربع وستمائة شيخنا مكين الدين أبو شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني البزار وغيره عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكرخي الهروي قال أخبرني أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي وأبو بكر أحمد بن أبي حاتم الغورجي التاجر قالوا أخبرنا محمد بن عبد الجبار الجراحي قال أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا عفإن بن مسلم حدثنا عبد الواحد حدثنا المختار بن فلفل حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر هذا الحديث قال وفي الباب عن أبي هريرة وحذيفة وابن عباس وأم كرز فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة فقد بقي للناس من النبوة هذا وغيره ومع هذا لا يطلق إسم النبوة ولا النبي ألا على المشرع خاصة فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معين في النبوة وما حجر النبوة التي ليس فيها هذا الوصف الخاص وأن كان حجر الاسم فنتأدب ونقف حيث وقف صلى الله عليه وسلم بعد علمنا بما قال وما أطلق وما حجر فنكون على بينة من أمرنا وإذا علمت هذا فلنقل أن الرؤيا ثلاث منها بشرى وهي ما نحن بصدده في هذا الباب ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة فيرتقم في خياله فإذا نام أدرك ذلك بالحس المشترك لأنه تصوره في يقظته فبقي مرتسما في خياله فإذا نام وأنصرفت الحواس إلى خزانة الخيال أبصرت ذلك وسيأتي علم ذلك كله وصورته والرؤيا الثالثة من الشيطان وروينا في هذا حديثا صحيحا من حديث أبي عيسى الترمذي قال حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة والرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله تعالى ورؤيا من تحزين الشيطان ورؤيا مما يحدث الرجل به نفسه وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس الحديث وقال فيه حديث صحيح وفي حديث أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدكم شيأ يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليستعذ بالله من شرها فإنها لا تضره وهو حديث حسن صحيح وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رؤيا المسلم على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت فاعلم أن لله ملكا موكلا بالرؤيا يسمى الروح وهو دون السماء الدنيا وبيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه وغيره وصور ما يحدث من تلك الصور من الأكوان فإذا نام الأنسان أوكان صاحب غيبة أو فناء أو قوة أدراك لا يحجبه المحسوسات في يقظته عن أدراك ما بيد هذا الملك من الصور فيدرك هذا الشخص بقوته في يقظته ما يدركه النائم في نومه وذلك أن اللطيفة الأنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها الذي محله مقدم الدماغ فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الأذن الألهي ما يشاء الحق أن يريه هذا النائم أو الغائب أو الفإني أو القوى من المعاني متجسدة في الصور التي بيد هذا الملك فمنها ما يتعلق بالله وما يوصف به من الاسماء فيدرك الحق في صورة 7 أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب أو أحداهن المرتبة الواحدة أن تكون الصورة المدركة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلة ما من منازله وصفاته التي ترجع إليه فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما رجع إليه والمرتبة الثانية أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه والمرتبة الثالثة أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع والناموس الموضوع أي ناموس كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها في ولاة أمر ذلك الأقليم القائمين بناموسه وما ثم مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي فهي حسنة كاملة ولا بد لا تتصف بشيء من القبح والنقص والمرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيهما بحسب الأحوال من الحسن والقبح والنقص والكمال فلينظر أن كان من تلك الصورة خطاب فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله وبقدر ما يفهم منه في رؤياه ولا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس ألا أن كان عالما بالتعبير أو يسأل عالما بذلك ولينظر أيضا حركته أعني حركة الرائي مع تلك الصورة من الأدب والأحترام أو غير ذلك فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة فإنها صورة حق بكل وجه وقد يشاهد الروح الذي بيده هذه الحضرة وقد لا يشاهده وما عدا هذه الصورة فليست ألا من الشيطان أن كان فيه تحزين أو مما يحدث المرء به نفسه في حال يقظته فلا يعول على ما يرى من ذلك ومع هذا وكونها لا يعول عليها إذا عبرت كان لها حكم ولا بد يحدث لها ذلك من قوة التعبير لا من نفسها وهو أن الذي يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم فقد أنتقلت تلك الصورة عن المحل الذي كانت فيه حديث نفس أو تحزين شيطان إلى خيال العابر لها وما هي له حديث نفس فيحكم على صورة محققة أرتسمت في ذاته فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر كما جاء في قصة يوسف مع الرجلينوكانا قد كذبا فيما صوراه فكان مما حدثا به أنفسهما فتخيلاه من غير رؤيا وهو أبعد في الأمر أذ لو كان رؤيا لكان أدخل في باب التعبير فلما قصاه على يوسف حصل في خيال يوسف عليه السلام صورة من ذلك لم يكن يوسف حدث بذلك نفسه فصارت حقا في حق يوسف وكأنه هو الرائي الذي رأى تلك الرؤيا لذلك الرجل وقاما له مقام الملك الذي بيده صور الرؤيا فلما عبر لهما رؤياهما قالا له أردنا أختبارك وما رأينا شيأ فقال يوسف قضى الأمر الذي فيه تستفتيان فخرج الأمر في الحس كما عبر ثم أن الله تعالى إذا رأى أحد رؤيا فإن صاحبها له فيما رآه حظ من الخير والشر بحسب ما تقتضي رؤياه أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع وأما في الصورة المرئية فلا فيصور الله ذلك الحظ طائرا وهو ملك في صورة طائر كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية وأنما جعلها في صورة طائر لأنه يقال طار له سهمه بكذا أو الطائر الحظ قال الله عز وجل ' قالوا طائركم معكم ' أي حظكم ونصيبكم معكم من الخير والشر ويجعل الرؤيا معلقة من رجل هذا الطائر وهي عين الطائر ولما كان الطائر إذا أأقتنص شيأ من الصيد من الأرض أنما يأخذه برجله لأنه لا يد له وجناحه لا يتمكن له الأخذ به فلذلك علق الرؤيا برجله فهي المعلقة وهي عين الطائر فإذا عبرت سقطت لما قيلت له وعندما تسقط يندم الطائر لأنه عين الرؤيا فينعدم بسقوطها ويتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير فتلك الحال أما عرض أو جوهر أو نسبة من ولاية أو غيرها هي عين صورة تلك الرؤيا وذلك الطائر ومنه خلقت هذه الحالة ولا بد سواء كانت جسما أو عرضا أو نسبة أعني تلك الصورة كما خلق آدم من تراب ونحن من ماء مهين حتى إذا دلت الرؤيا على وجود ولد فذلك الولد مخلوق من عين تلك الرؤيا ماء في صلب أبيه وأن كان الماء قد نزل في الرحم تصورت فيه تلك الرؤيا ولد فهو ولدا رؤيا وأن لم تتقدم له رؤيا فهو على أصل نشأته كما هو سائر الأولاد فاعلم ذلك فإنه سر عجيب وكشف صحيح وكل ولد يكون عن رؤيا ترى له تمييزا على غيره ويكون أقرب إلى الأرواح من غيره أن جعلت بالك هكذا تبصره وكل مخلوق من حالة أو عرض أو نسبة من ولاية أو غيرها يكون عن رؤيا يكون له ميز على من ليس عن رؤيا وأنظر ذلك في رؤيا آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم يبد لك صحة ما ذكرناه فكان صلى الله عليه وسلم عين رؤيا أمه ظهرت في ماء أبيه بتلك الصورة التي رأته أمه ولذلك كثرت المرائي فيه صلى الله عليه وسلم فتميز عن غيره ولا يعرف ما قلناه ألا أهل العلم بصورة الكشف وهو من أسرار الله في خلقه وأن أردت تأنيسا لما ذكرناه فإنظر في علم الطبيعة إذا توحمت المرأة وهي حامل على شيء خرج الولد يشبه ذلك الشيء وإذا نظرت عند الجماع أو تخيل الرجل صورة عند الوقاع وأنزال الماء يكون الولد على خلق صورة ما تخيل ولذلك كانت الحكماء تأمر بتصوير صور الفضلاء من أكابر الحكماء في الأماكن بحيث تنظر إلى تلك الصورة المرأة عند الجماع والرجل فتنطبع في الخيال فتؤثر في الطبيعة فتخرج تلك القوة التي كانت عليها تلك الصورة في الولد الذي يكون من ذلك الماء وهو سر عجيب في علم الطبيعة وأنظر في تكوين عيسى عليه السلام عن مشاهدة مريم جبريل في صورة بشر كيف جمع بين كونه روحا يحيى الموتى وبين كونه بشرا إذا كان الروح به تحيا الأجسام الطبيعية وأقوى من ذلك ما فعله السامري من قبضه أثر جبريل لما علم أن الروح تصحبه الحياة حيث حل فرمى ما قبضه في العجل فخار العجل بذلك الأثر المقبوض من وطء الروح ولو رماه في شكل فرس لصهل أو في شكل أنسان نطق فإن الأستعداد لما ظهر بالحياة أنما كان للقابل ومن هنا تعرف صورة الظاهر في المظاهر وأن المظاهر تعطي بأستعدادها في الظاهر فيها ما يظهر به من الصور الحاملة والمحمولة ولهذا أظهر الله هذه الحكمة لتقف من ذلك على ما هو الأمر عليه ثم أن تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لها بشرى ومبشرة لتأثيرها في بشرة الأنسان فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها في باطنها مما تتخيله من صورة تبصرها أو كلمة تسمعها أما بحزن أو فرح فيظهر لذلك أثر في البشرة لا بد من ذلك فإنه حكم طبيعي أودعه الله في الطبيعة فلا يكون ألا هكذا تكملة للرؤيا مكان ومحل وحال فحالها النوم وهو الغيبة عن المحسوسات الظاهرة الموجبة للراحة لأجل التعب الذي كانت عليه هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة وأن كان في هواها قال تعالى ' وجعلنا نومكم سباتا ' يقول وجعلنا النوم لكم راحة تستريح به النفوس وهو على قسمين قسم أنتقال وفيه بعض راحة أو نيل غرض أو زيادة تعب والقسم الآخر قسم راحة خاصة وهو النوم الخالص الصحيح الذي ذكر الله أنه جعله راحة لما تعبت فيه هذه الآلات والجوارح والأعضاء البدنية في حال اليقظة وجعل زمانه الليل وأن وقع بالنهار كما جعل النهار للمعاش وأن وقع بالليل ولكن الحكم للغالب فأما قسم الأنتقال فهو النوم الذي يكون معه الرؤيا فتنقل هذه الآلات من ظاهر الحس إلى باطنه ليرى ما تقرر في خزانة الخيال الذي رفعت إليه الحواس ما أخذته من المحسوسات وما صورته القوة المصورة التي هي من بعض خدم هذه الخزانة لترى هذه النفس الناطقة التي ملكها الله هذه المدينة ما أستقر في خزانتها كما جرت العادة في الملوك إذا دخلوا خزائنهم في أوقات خلواتهم ليطلعوا على ما فيها وعلى قدر ما كمل لهذه النشأة من الآلات التي هي الجوارح والخدام الذين هم القوى الحسية يكون الأختزان فثم خزانة كاملة لكمال الحياة وثم خزانة ناقصة كالأكمه فإنه لا ينتقل إلى خزانته خياله صور الألوان والخرس لا ينتقل إلى خزانة الخيال صور الأصوات ولا الحروف اللفظية هذا كله إذا عدمها في أصل نشأته وأما إذا طرأت عليه هذه الآفات فلا فإنه إذا أنتقل بالنوم إلى باطن النشأة ودخل الخزانة وجد صور الألوان التي اختزنها فيها قبل طرق الآفة وكذلك كل ما أعطته قوة من قوى الحس الذيم هم جباة هذه المملكة ولله تجل في هذه الخزانة في صورة طبيعية بصفات طبيعية مثل قوله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب وهو ما يراه النائم في نومه من المعاني في صور المحسوسات لأن الخيال هذه حقيقته أن يجسد ما ليس من شأنه أن يكون جسدا وذلك لأن حضرته تعطى ذلك وما ثم في طبقات العالم من يعطي الأمر على ما هو عليه سوى هذه الحصرة الخيالية فإنها تجمع بين النقيضين وفيها تظهر الحقائق على ما هي عليه لأن الحق في الأمور أن نقول في كل أمر تراه أو تدركه بأي قوة كان الإدراك أن ذلك الذي أدركته هو لا هو كما قال ' وخما رميت إذ رميت ' فلا تشك في حال الرؤيا في الصورة التي تراها أنها عين ما قيل لك أنه هو ما تشك في التعبير إذا استيقظت أنه ليس هو ولا تشك في النظر الصحيح أن الأمر هو لا هو قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال بجمعه بين الضدين فكل عين متصفة بالوجود فهي لا هي فالعالم كله هو لا هو والحق الظاهر بالصورة هو لا هو فهو المحدود الذي لا يحدوا لمرئى الذي لا يرى وما ظهر هذا الأمر إلا في هذه الحضرة الخيالية في حال النوم أو الغيبوبة عن ظاهر المحسوسات بأي نوع كان وهي في النوم أتم وجود وأعمه لأنه للعارفين والعامة وحال الغيبة والفناء والمحو وشبه ذلك ما عدا النوم لا يكون للعامة في الإلهيات فما أوجد الله شيأ من الكون على صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه إلا هذه الحضرة فلها الحكم العام في الطرفين كما للممكن قبول النقيضين فيكون له ذلك ذوقا فإن الذي يستحيل عليه العدم وإن كان له العلم بالعدم لا يكون علمه ذاتيا وهو الذي يسمى ذوقا بخلاف الممكن فإن العدم له ذوق والذي يستحيل عليه الوجود والعلم به لا ذوق له في الوجود رأسا والممكن له في الوجود ذوق فأوجد الله هذه الحضرة الخيالية ليظهر فيها الأمر الذي هو الأصل على ما هو عليه فاعلم أن الظاهر في المظاهر الأعيان هو الوجود الحق وأنه نما هو لما ظهر به من الأشكال والنعوت التي أعيان الممكنات عليها وجعل هذه الحضرة كالجسر بين الشطين للعبور عليه من هذا الشط إلى هذا الشط فجعل النوم معبرا وجعل المشي عليه عبورا قال تعالى ' إن كنتم للرؤيا تعبرون ' وجعل إدراك ذلك في حالة تسمى راحة وهي النوم من حقيقة قوله ' ولقد خلقنا السموات والأرض في ستة أيام ' فأضاف العمل إليه وذكر في الخلق أنه يبديه وبأيد وبيده بقوله ثم أعلمنا أنه وإن اتصف بالعمل أنه لم يؤثر فيه تعب فقال وما مسنا من لغوب وقال ' ولم يعي بخلقهن ' فمن هذه الحال من الحركات الحسية الظاهرة فهذا هو العمل العظيم في راحة من حيث لا يشعر أنه في راحة ولا سيما إذا رأى في النوم أمورا هائلة مفزعة فإذا استيقظ وجد الراحة فعلم أنه كان في راحة من حيث لا يشعر ومنهم من يعلم في النوم أنه نفي النوم والناس فيه على طبقات وإنما سمينا هذه الحالة بانتقال لأن المعاني تنتقل من تجريدها عن المواد إلى لباس المواد كظهور الحق في صور الأجسام والعلم في صورة اللبن وما أشبه ذلك والإنتقال الثاني انتقال الحواس من الظاهر المحسوس إلى هذه الحضرة بالظاهر المحسوس ولكن ما له في هذه الحضرة ثبوتية الذي له في حضرة اليقظة فإنه سريع التبديل في هذه الحضرة كما يتبدل في اليقظة في صور مختلفة في باطنه لا في ظاهره فباطنه في اليقظة هي هذه الحضرة ' وجعل الليل لباسا ' لها فإن الليل لا يعطي للناظر في نظرة سوى نفسه فهو يدرك ولا يدرك به فإنه غيب وظلمة والغيب والظلمة يدركان ولا يدرك بهما والضوء يدرك ويدرك به وهو حال اليقظة فلهذا تعبر الرؤيا ولا يعبر ما أدركه الحس فإذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهود وإن الأمر الذي هو فيه رؤيا إيمانا وكشفاولهذا اذكر الله أمورا واقعة في ظاهر الحس وقال فاعتبروا وقال أن في ذلك لعبرة أي جوزوا وعبروا وأمما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بكن به وما جاء له قال عليه السلام الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ولكن لا يشعرون ولهذا قلنا إيمانا وقد ذكرنا هذا المقام مستوفي في باب المعرفة من هذا الكتاب وقد تقدم وهو الباب السابع والسبعون ومائة فالوجود كله نوم ويقظته نوم فالوجود كله راحة والراحة رحمة فوسعت كل شئ فإليها المآل تقول الملائكة لله وسعت نكل شئ رحمة وعلما وهنا سران أن بحثت عليه انتهيت إليه وهو رحمته بالاسماء الحسنى في ظهور آثارها فمنتهى علمه منتهى رحمته ثم أرجع وأقول وإن حصل فب الطريق تعب فهو تعب في راحة كالأجير يحمل التعب أو يستلذه لما يكون في نفسه من راحة الأجرة التي لأجل حصولها عمل فيحجبه عن التعب وجود راحة الأجرة فإذا قبضها دخل في راحة النوم بالليل فركدت جوارحه عن الحركة فوجد الراحة فإنتقل من راحة الأجرة إلى راحة النوم فعلى التحقيق أن صور العالم للحق من الاسم الباطل صور الرؤيا للنائم والتعبير فيها كون تلك الصور أحواله فليس غيره كما أن صور الرؤيا أحوال الرائي لا غيره كما رأى إلا نفسه فهذا هو قوله أنه ' ما خلق السموات والأرض إلا بالحق ' وهو عينه وهو قوله في حق العارفين ويعلمون أن الله هو الحق المبين أي الظاهر فهو الواحد الكثير فمن اعتبر الرؤيا يرى أمرا هائلا ويتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح في أصحابه سألهم هل رأى أحد منكم رؤيا لأنها نبوة فكان يحب أن يشاهدها في أمته والناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتني بها ويسأل كل يوم عنها والجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمر وقع في النوم لم يقعوا به رأسا وقالوا بالمنامات يريد أن يحكم هذا خيال وما هي إلا رؤيا فيستهينوا بالرائي إذا اعتمد عليها وهذا كله لجهله بمقامها وجهله بأنه في يقظته وتصرفه في رؤيا وفي منامه في رؤيا فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه وهو في منامه وهو قوله عليه السلام الناس نيام فما أعجب الأخبار النبوية لقد أبانت عن الحقائق على ما هي عليه وعظمت ما استهونه العقل القاصر فإنه ما صدر إلا من عظيم وهو الحق فهذا معنى قولنا في التقسيم أنه قسم الإنتقال وأما القسم الآخر من النوم فهو قسم الراحة وهو النوم الذي لا يرى فيه رؤيا فهو لمجرد الراحة البدنية لا غير فهذا هو حال الرؤيا وبقي معرفة المكان والمحل فأما المحل فهو هذه النشأة العنصرية لا يكون للرؤيا محل غيرها فليس للملك رؤيا وإنما ذلك للنشأة العنصرية الحيوانية خاصة ومحلها في العلم الإلهي الإستحالات في صور التجلي فكل ما نحن فيه رؤيا الحق في راحة ارتفاع الأعياء والتعب لا غير وأما المكان فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة وفي الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة وذلك لأن النوم قد يكون في جهنم في أوقات ولا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر وما فوق فلك الكواكب فلا نوم وأعني به هذا النوم الكائن المعروف في العرف وأما الذي ذهبنا إليه أو لا في معرفة حال النوم فذلك أمر آخر قد بيناه وصور بيانه وصورة مكانه هكذا فإنظر إلى ما صورناه في الهامشش وهو هذا صورة مكان الرؤيا وهو يشبه بالقرن وهو الصور أعلاه واسع وأسفله ضيق مقلوب النشئ فإن الذي يلي الرأس منه هو الأعلى وهو الأوسع والذي هو الأضيقث منه هو الأسفل وهو الذي بعد عن الأصل فذك القرن مكان الرؤيا فإذا خرج عن هذا الصور خرج عن مكان الرؤيا المعلومة في العرف فلا يدري بعد هذا رؤيا لأنه لا تقوم به صفة نوم فهو في راحة الأبد وهذا القدر كاف فيما نرومه من التعريف بمقام الرؤيا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والذي سكتنا عنه عظيم لأن الفكر يعجز عنتصوره من أكثر الناس ' ولكن أكثر الناس لا يعلمون ' كما أن أكثر الناس لا يؤمنون وإلى العلم يرجع الفقه والعقل في قوله لا يفقهون ولا يعقلون انتهى الجزء السابع عشر ومائةفيحجبه عن التعب وجود راحة الأجرة فإذا قبضها دخل في راحة النوم بالليل فركدت جوارحه عن الحركة فوجد الراحة فإنتقل من راحة الأجرة إلى راحة النوم فعلى التحقيق أن صور العالم للحق من الاسم الباطل صور الرؤيا للنائم والتعبير فيها كون تلك الصور أحواله فليس غيره كما أن صور الرؤيا أحوال الرائي لا غيره كما رأى إلا نفسه فهذا هو قوله أنه ' ما خلق السموات والأرض إلا بالحق ' وهو عينه وهو قوله في حق العارفين ويعلمون أن الله هو الحق المبين أي الظاهر فهو الواحد الكثير فمن اعتبر الرؤيا يرى أمرا هائلا ويتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح في أصحابه سألهم هل رأى أحد منكم رؤيا لأنها نبوة فكان يحب أن يشاهدها في أمته والناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتني بها ويسأل كل يوم عنها والجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمر وقع في النوم لم يقعوا به رأسا وقالوا بالمنامات يريد أن يحكم هذا خيال وما هي إلا رؤيا فيستهينوا بالرائي إذا اعتمد عليها وهذا كله لجهله بمقامها وجهله بأنه في يقظته وتصرفه في رؤيا وفي منامه في رؤيا فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه وهو في منامه وهو قوله عليه السلام الناس نيام فما أعجب الأخبار النبوية لقد أبانت عن الحقائق على ما هي عليه وعظمت ما استهونه العقل القاصر فإنه ما صدر إلا من عظيم وهو الحق فهذا معنى قولنا في التقسيم أنه قسم الإنتقال وأما القسم الآخر من النوم فهو قسم الراحة وهو النوم الذي لا يرى فيه رؤيا فهو لمجرد الراحة البدنية لا غير فهذا هو حال الرؤيا وبقي معرفة المكان والمحل فأما المحل فهو هذه النشأة العنصرية لا يكون للرؤيا محل غيرها فليس للملك رؤيا وإنما ذلك للنشأة العنصرية الحيوانية خاصة ومحلها في العلم الإلهي الإستحالات في صور التجلي فكل ما نحن فيه رؤيا الحق في راحة ارتفاع الأعياء والتعب لا غير وأما المكان فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة وفي الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة وذلك لأن النوم قد يكون في جهنم في أوقات ولا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر وما فوق فلك الكواكب فلا نوم وأعني به هذا النوم الكائن المعروف في العرف وأما الذي ذهبنا إليه أو لا في معرفة حال النوم فذلك أمر آخر قد بيناه وصور بيانه وصورة مكانه هكذا فإنظر إلى ما صورناه في الهامشش وهو هذا صورة مكان الرؤيا وهو يشبه بالقرن وهو الصور أعلاه واسع وأسفله ضيق مقلوب النشئ فإن الذي يلي الرأس منه هو الأعلى وهو الأوسع والذي هو الأضيقث منه هو الأسفل وهو الذي بعد عن الأصل فذك القرن مكان الرؤيا فإذا خرج عن هذا الصور خرج عن مكان الرؤيا المعلومة في العرف فلا يدري بعد هذا رؤيا لأنه لا تقوم به صفة نوم فهو في راحة الأبد وهذا القدر كاف فيما نرومه من التعريف بمقام الرؤيا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والذي سكتنا عنه عظيم لأن الفكر يعجز عنتصوره من أكثر الناس ' ولكن أكثر الناس لا يعلمون ' كما أن أكثر الناس لا يؤمنون وإلى العلم يرجع الفقه والعقل في قوله لا يفقهون ولا يعقلون انتهى الجزء السابع عشر ومائة ؟ بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الأحوال

الباب التاسع والثمانون ومائة في السالك والسلوك

أن السلوك هو الطريق الأقوم . . . فإذا استقمت فإنت فيه السالك

اشتق من سلك اللآلي لفظه . . . فحسامه عضب المضارب باتك

لا تمنعنك عن السلوك مضايق . . . من خلقهن أرائك ودرانك

صفحه ۳۷۵