فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فالسمع أشرف ما تحقق عارف . . . بتعلق وتحقق وتخلق قال تعالى ' سميع عليم ' وقال ' سميع بصير ' فقدمه على العلم والبصر أول شئ علمناه من الحق وتعلق به منا القول منه والسماع منا فكان عنه الوجود وكذلك نقول في هذا الطريق كل سماع لا يكون عنه وجد وعن ذلك الوجد وجود فليس بسماع فهذه رتبة السماع التي يرجع إليها أهل الله ويسمعون فقوله تعالى للشئ قبل كونه كن هو الذي يراه أهل السماع في قول القائل وتهيؤ السامع المقول له كي للتكوين بمنزلة الوجد في السماع ثم وجوده في عينه عن قوله كن كما قال تعالى كن فيكون بمنزلة الوجود الذي يجده أهل السماع في قلوبهم من العلم بالله الذي أعطاهم السماع في حال الوجد فمن لم يسمع سماع وجود فما سمع ولهذا جعل القوم الوجود بعد الوجد ولما لم يصح الوجود أعني وجود العالم إلا بالقول من الله والسماع من العالم لم يظهر وجود طرق السعادة وعلم الفرق بينهما وبين طرق الشقاء إلا بالقول الإلهي والسماع الكوني فجاءت الرسل بالقول جميعهم من قرآن وتوراة وانجيل وزبور وصحف فما ثم إلاقول وسماع غير هذين لم يكن فلولا القول ما علم مراد المريد ما يريده منا ولولا السمع ما وصلنا إلى تحصيل ما قيل لنا فبالقول نتصرف وعن القول نتصرف مع السماع فهما مرتبطان لا يصح استقلال واحد منهما دون الآخر وهما نسبتان فبالقول والسماع نعلم ما في نفس الحق إذ لا علم لنا إلا باعلامه واعلامه بقوله ولا يشترط في القول الآلة ولا في السماع بل قد يكون بآلة وبغير آلة وأعني بآلة القول اللسان وآلة السماع الأذن فإذا علمت مرتبة السماع في الوجود وتميزه عن غيره من النسب فاعلم أن السماع عند أهل الله مطلق ومقيد فالمطلق هو الذي عليه أهل الله ولكن يحتاجون فيه إلى علم عظيم بالموازين حتى يفرقوا بين قول الأمتثال وبين قول الإبتلاء وليس يدرك ذلك كل أحد ومن أرسله من غير ميزان ضل وأضل والمقيد هو السماع المقيد بالنغمات المستحسنات التي يتحرك لها الطبع بحسب قبوله وهو الذي يريدونه غالبا بالسماع لا السماع المطلق فالسماع على هذا الحد ينقسم على ثلاثة أقسام سماع إلهي وسماع روحاني وسماع طبيعي فالسماع الإلهي بالأسرار وهو السماع من كل شئ وفي كل شئ والوجود عندهم كله كلمات الله وكلماته لا تنفد ولهم في مقابلة هذه الكلمات إسماع لا تنفد تحدث لهم هذه الاسماع في سرائرهم بحدوث الكلمات وهو قوله لا يعلمه كل أحد وما ذكر من ربهم محدث إلا سمعتوه فمنهم من أعراض بعد السماع ومنهم من وقف عند ما سمع وهذا مقام لا يعلمه كل أحد وما في الوجود إلا هو ولكن يجهل ولا يعلم وهو يتعلق باسماء الله تعالى على كثرتها فلكل إسم لسان ولكل لسان قول ولكل قول منا سمع والعين واحد من القائل والسامع فإن كان نداء أجبنا وامتثلنا وكان من قوله أن قال لنا ' ادعوني أستجب لكم ' فكما قال وسمعنا أمرنا عندما جعل فينا قوة القول أن نقول فيسمع هو تعالى فمنا من يقول به كما قال أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمد فكلام صاحب هذا المقام كله نيابة ومنا من يقول بنفسه في زعمه وما هو كذلك في نفس الأمر فإن الله عند لسان كل قائل فكما أنه ليس في الوجود ألا الله كذلك ما ثم قائل ولا سامع ألا الله وكما قسمنا قولنا بين من يقول بالله ويقوله بنفسه كذلك سماعنا منامن يسمع بربه وهو قوله كنت سمعه الذي يسمع به ومنامن يسمع بنفسه في زعمه والأمر على خلافه فهذا هو السماع الألهي وهو سار في جميع المسموعات وأما السماع الروحاني فمتعلقه صريف الأقلام الألهية في لوح الوجود المحفوظ من التغيير والتبديل فالوجود كله رق منشور والعالم فيه كتاب مسطور فالأقلام تنطق وإذان العقول تسمع والكلمات ترتقم فتشهد وعين شهودها عين الفهم بغير زيادة ولا ينال هذا السماع ألا العقول التي ظهرت لمستوى ولما كان السماع أصله على التربيع وكان أصله عن ذات ونسبة وتوجه وقول فظهر الوجود بالسماع الألهي كذلك السماع الروحاني عن ذات ويد وقلم وصريف قلم فيكون الوجود للنفس الناطقة في سماع صريف هذه الأقلام في ألواح القلوب بالتقليب والتصريف وكذلك السماع الطبيعي مبناه على أربعة أمور محققة فإن الطبيعة مربعة معقولة من فاعلين ومنفعلين فأظهرت الأركان الأربعة أيضا فظهرت النشأة الطبيعية على أربعة أخلاط وأربع قوى قامت عليها هذه النشأة وكل خلط منها يطلب بذاته من يحركه لبقائه وبقاء حكه فإن السكون عدم فأوجد في نفوس العلماء حين سمعوا صريف الأقلام ما ينبغي أن يحرك به هذه النشأة الطبيعية فأقاموا لها أربع نغمات لكل خلط من هذه الأخلاط نغمة في آلة مخصوصة وهي المسماة في المويسيقي وهو علم الألحان والأوزوان بالبم والزير والمثنى والمثلث كل واحد من هذه يحرك خلطا من هذه الأخلاط ما بين حركة فرح وحركة بكاء وأنواع الحركات وهذا لها بما هي نشأة طبيعية لا بما هي روحانية فإن الحركة في النشأة الطبيعية والسماع الطبيعي لا يكون معه علم أصلا وأنما صاحبه يجد طربا في نفسه أو حزنا عند سماع هذه النغمات من هذه الآلات ومن أصوات القوالين ولا يجد معها علما أصلا فإنه ليس هذا حظ السماع الطبيعي مع الحال الصحيح والوجد الصحيح الذي يطلبه الطبع وهو سماع الناس اليوم والسماع الروحاني يكون معه علم ومعرفة في غير مواد جملة واحدة والسماع الألهي يكون معه علم ومعرفة في مواد وفي غير مواد عام التعلق يجده في السماع الطبيعي والروحاني لكن بالسمع الألهي الذي يخص الطبع والعقل خاصة ومنهم من يعلم ذلك ومنهم من لا يعلمه مع كونه يجده ولا يقدر على أنكار ما يجد فسماع الحق مطلق كما أن وجوده مطلق وتمييزه عسير وللنغمات في الكلام الألهي والقول أصل تستند إليه وهو أقوى الأصول ولهذا لها القوة والتأثير في الطباع فلا يستطيع أحد أن يدفع عن نفسه عند ورود النغمة وتعلق السمع بها إذا صادفت محلها ذلك الطرب أو الأثر الذي يجده السامع في نفسه فسلطانها قوي وذلك لقوة أصلها الذي تستند إليه فإن الاسماء الألهية وأن كانت لعين واحدة فمعلوم عند أهل الله ما بينها من التفاوت ولما كان التفاوت معقولا فيها وعلم ذلك بآثارها علمنا أن الحقائق الألهية التي أستندت إليها هذه النغمات أقوى من الذي أستند إليه الكلام فإنا نسمع قارئا يقرأ أو منشدا ينشد شعرا فلا نجد في نفوسنا حركة لذلك بل ربما نتبرم من ذلك في أوقات لأنه جاء على غير الوزن الطبيعي فإذا سمعنا تلك الآية أو الشعر من صاحب نغمة وفي حقها في الميزان أصابنا وجد وحركنا ووجدنا ما لم نكن نجد فلهذا فرقنا بين ما أستندت إليه النغمات الطبيعية وبين ما أستند إليه القول هذا ميزان المحسوس وأما ميزان العقل فينظر حكمة الترتيب الألهي في العالم فإن كان من أهل السماع الألهي فينظر ترتيب الاسماء الألهية فيكون سماعه من هناك وأن كان من أهل السماع الروحاني فينظر ترتيب آثارها في العالم الأعلى والأسفل فيجد في كل مسموع فإن المسموعات كلها نغم عنده فمنهم من تكون له حركة محسوسة ومنهم من لا تكون له وأما الحركة الروحانية فلا بد منها ولله طائفة خرجت عن الحركات الروحانية إلى الحركات الألهية وهو قول الجنيد وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ولكن في الحال التي تحسيها جامدة فتنسب الحركة إلى هذا الشخص نسبتها إلى الجناب الأقدس في فرحه بتوبة عبده وتيشبشه لمن أتى بيته فهذه أحوال ألهية يجب الايمان بها ولا تعقل لها كيفية ألا من خصه الله بها وكانت حركته في سماعه ألهية وهي من العلوم التي تنال ولا تنقال وليس الخير بالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة يشبه هذا الفرح ولا التبشبش لأن هذا الفرح عن سبب كوني ظهر وجوده سمع الحق عليه والنزول إلى السماء الدنيا عن أمر يتوقع لا عن أمر واقع فالأول يلحق بباب السماع والثاني لا يلحق به فاعلم ذلك وقدر بطنا السماع بما يجب له وحققناه ولم نترك منه فصلا ولا قسما ألا ذكرناه بأوجز عبارة ليوقف عنده وحكاياته كثيرة لا يحتاج إلى أيرادها فإن كتابنا هذا مبناه على تحقيق أصول الأمور لا على الحكايات فإن الكتب بها مشحونة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الثالث والثمانون ومائة في معرفة مقام ترك السماع
الله الله لا عقل يصوره . . . والوهم يعبده في صورة البشر
فالشرع يطلقه وقتا ويحصره . . . والكون يثبته في سائر الصور
ترك السماع مقام ليس يدركه . . . ألا القوي من الأقوام في الخبر
أن قال كن فلمن والعين واحدة . . . ولم يكن غيره في العين والأثر
فما لكن عند هذا القول من أثر . . . بل عين كن لم تكن أن كنت ذا نظر
ولم يقل بسماع القول غير فتى . . . متيم بمعاني الآى والصور
لولا الكلام لما كان السماع وقد . . . جاء الكلام فكن منه على حذر
صفحه ۳۶۲