فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
ففي هذا الشعر إيثار مآثره المحبوبة ويتضمن ما أشرنا إليه في كلامنا قبله وأما قولنا أن المحبوب صفة المحب فيما ذكرناه فهو قوله تعالى فإذا أحببته كنت سمعه وبصره فجعل عينه سمع العبد وبصره فأثبت أنه صفته فما أحب المحب البعد إلا بمحبوبه وهذا غاية الوصلة في عين العبد منصة ومجلى نعت المحب بأنه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة وذلك أنه لا يخاف من هذا إلا عارف متوسط لم يبلغ التحقيق في المعرفة إلا أنه يشعر به من ذوق الشعور وهو محب والمحب مطيع لمحبوبه في جميع أوامره وتحقيق الأمر يعطي أن الآمر عين المأمور والمحب عين المحبوب إلا أن الظاهر يظهر الطائع والعاصي فالذي هو في مقام الشعور ولم يحصل في حد أن ينزل الأشياء منازلها في الظاهر يخاف أن يصدر منه ما يناقض الحرمة في خدمته إذ يقول ليس إلا هو كما يذهب إلى ذلك من يرى أن المدبر أجسام الناس روح واحدة وإن عين روح زيد هو عين روح عمر ووفيه من الغلط ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع وهو أنه يلزم ما يعلمه زيد لا يجهله عمر ولأن العالم من كل واحد عين روحه وهو واحد والشيء الواحد لا يكون عالما بالشيء جاهلا به فيخاف المحب أن صدرت منه قلة حرمة بهفوة وغلط أن يستند فيها بعد وقوعها إلى ما ذكرناه فيحصل في قلة المبالاة بما يظهر عليه من ذلك والمحبة تأبى ألا حرمة المحبوب وأن كان المحب مدلا بحبه لغلبة الحب عليه وأنه يرى نفسه عين محبوبه فيقول أنا من أهوى ومن أهوى أنا فهذا سبب خوفه لا غير منصة ومجلى نعت المحب أن يستقل الكثير من نفسه في حق ربه ويستكثر القليل من حبيبه وذلك أنه يفرق بين كونه محبا لما يرى في نفسه من الأنكسار والذلة والدهش والحيرة التي هي أثر الحب في المحبين ويرى نخوة المحبوب وتيهه ورياسته وأعجابه عليه فيرى أنه إذا أعطاه جميع ما يملكه فهو قليل لما أعطاه من نفسه وأن حق محبوبه أعظم عنده من حق نفسه بل لا يرى لنفسه حقا وأن كان في الحقيقة ما يسعى ألا في حق نفسه هكذا تعطيه المحبة كان لبعض الملوك مملوك يحبه لإسمه أياس فدخل على الملك بعض جلسائه ورأى قدمي المملوك في حجر الملك والملك يكبسهما فتعجب فقال أياس يا هذا ما هذه أقدام أياس هذه قلب الملك في حجره يكبسه هذا معنى قولنا أن المحب في حق نفسه يسعى فإنه له في ذلك الفعل لذة عظيمة لا ينالها ألا بذلك الفعل فالمحبوب ممتن عليه إذا مكنه مما تقع للمحب به لذة من المحبوب فيرى المحب أي شيء جاء من المحبوب فهو كثير فهو أنعام سيد على عبد وأي شيء كان من المحب في حق المحبوب ولو كان تلف الروح والمهجة في رضاه لكان قليلا لأنه طاعة عبد لسيد محسان وما قدروا الله حق قدره فالمحبوب غني فقليله كثير والمحب فقير فكثيره قليل ولكن وأن كان هذا نعت المحب عندهم فهو نعت محب ناقص المعرفة كثير الحب على عماية لأن المحب إذا كان المخلوق ليس له شيء يملكه حتى يستقل أو يستكثر وأما إذا كان المحب الله فإنه يستكثر القليل من عبده وهو قوله ' فأتقوا الله ما أستطعتم ولا يكلف الله نفسا ألا وسعها ' وأما أستقلاله الكثير في حق أحبابه من عباده فإن ما عند الله ما له نهاية ودخول ما لا نهاية له في الوجود محال فكل ما دخل في الوجود فهو متناه فإذا أضيف ما تناهى إلى ما لا يتناهي ظهر كأنه قليل أو كأنه لا شيء وأن كان كثيرا وهنا نظر يطول فأقتصرنا منصة ومجلى نعت المحب يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته قال شاعرهم
تعصي الأله وأنت تظهر حبه . . . هذا محال في القياس بديع
صفحه ۳۴۸