619

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

قد تخللت مسلك الروح مني . . . وبذا سمى الخليل خليلا وانما قلنا لاتصح الخلة ألابين الله وبين عبده لان أعيان الأشياء متميزة وكون الأعيان وجود الحق لاغير ووجود الشىء لايمتاز عن عينه فلهذا ألاتصح الخلة ألابين الله وعبيده خاصة أذ هذا الحال لايكون بين المخلوقين لانه لايستفاد من مخلوق وجود عين فاعلم ذلك وأعلم ان شروط الخلة لاتصح بين المؤمنين ولابين النبي ومابعيه فإذا لم تصح شروطها لاتصح هي في نفسها ولكن في دار التكليف فان النبي والمؤمن بحكم الله لابحكم نفسه ومن شروط الخلة ان يكون الخليل بحكم خليله وهذا لايتصور مطلقا بين المؤمنين ولا بين الرسل وأتباعهم في الدار الدنيا والمؤون تصح الخلة بينه وبين الله ولا تصح بينه وبين الناس لكن تسمى المعاشرة التي بين الناس إذا تاكدت في غالب الأحوال خلة فالنبي ليس له خليل ولاهو صاحب لأحد سوى نبوته وكذلك المؤون ليس له خليل ولا صاحب سوى أيمانه كما ان الملك ليس هو صاحب أحد سوى ملكه فمن كان بحكم مايلقي إليه ولا يتصرف ألاعن أمر ألهي فلا يكون خليلا لأحد ولاصاحبا أبدا فمن أتخذ من المؤمنين خليلا غير الله فقد جهل مقام الخلة وان كان عالما بالخلة والصحبة ووفاها حقها مع خليله وهو حاكم فقد قدح في أيمانه لما يؤدي ذلك إليه من أبطال حقوق الله فلا خليل ألا الله فالمقام عظيم وشانه خطير والله الموفق لارب غيره ومنهم رضى الله عنهم السمراء ولا عدد يحصرهم وهم صنف خاص من أهل الحديث قال تعالى ' وشاورهم في الأمر ' وهذا الصنف لاحديث لهم مع الأرواح فحديثهم مع الله من قوله تعالى ' يدبر الأمر يفصل الآيات ' فجليسهم من الاسماء الألهية المدبر المفصل وهم من أهل الغيب في هذا المقام لامن أهل الشهادة ومنهم رضى الله عنهم الورثة وهم ثلاثة أصناف ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات قال تعالى ' ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ' وقال صلى الله عليه وسلم ' العلماء ورثة الانبياء ' وكان شيختا أبو مدين يقول في هذا المقام من علامات صدق المريد في أرادته فراره عن الخلق ومن علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق وهذا هو حال الوارث للنبي صلى الله عليه وسلم فانه كان يخلو بغار حراء ينقطع إلى الله فيه ويترك بيته وأهله ويفر إلى ربه حتى فجئه الحق ثم بعثه الله رسولا مرشدا إلىعباده فهذه حالات ثلاث ورثه فيها من أعتنى الله به من أمته ومثل هذا يسمى وارثا فالوارث الكامل من ورثه علما وعملا وحالا فأما قوله تعالى في الوارث للمصطفى ' انه ظالم لنفسه ' يريد حال أبى الدرداء أمثاله من الرجال الذين ظلموا انفسهم لانفسهم أي من أجل انفسهم حتى يسعدوها في الآخرة وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان لنفسك عليك حقا ولعينك عليك حقا فإذا صام الانسان دائما وسهر ليله ولم ينم فقد ظلم نفسه في حقها وعينه في حقها وذلك الظلم لها من أجلها ولهذا قال ظالم لنفسه فانه أراد بها العزائم وأرتكاب الأشد لما عرف منها ومن جنوحها إلى الرخص والبطالة وجاءت السنة بالأمرين لأجل الضعفاء فلم يرد الله تعالى بقوله ' ظالم لنفسه ' الظلم المذموم في الشرع فان ذلك ليس بمصطفى وأما الصنف الثاني من ورثة الكتاب فهو المقتصد وهو الذي يعطي نفسه حقها من راحة الدنيا ليستعين بذلك على مايحملها عليه من خدمة ربها في قيامه بين الراحة وأعمال البر وهو حال بين حالين بين العزيمة والرخصة ففي قيام الليل يسمى المقتصد متهجدا لانه يقوم وينام وعلى مثل هذا تجري أفعاله وأما السابق بالخيرات وهو المبادر إلى الأمر قبل دخول وقته ليكون على أهبة وأستعداد وإذا دخل الوقت كان متهيأ لأداء فرض الوقت لايمنعه من ذلك مانع كالمتوضىء قبل دخول الوقت والجالس في المسجد قبل دخول وقت الصلاة فإذا دخل الوقت كان على طهارة وفي المسجد فيسابق إلى أداء فرضه وهي الصلاة وكذلك ان كان له مال أخرج زكاته وعينها ليلة فراغ الحول ودفعها لربها في أول ساعة من الحول الثاني للعامل الذي يكون عليها وكذلك في جميع أفعال البر كلها يبادر إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال ' بم سبقتني إلى الجنة فقال بلال ماأحدثت قط ألا توضأت ألاصليت ركعتين ' فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' بهما فهذا وأمثاله من السابق بالخيرات ' وهو كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المشركين في شبابه وحداثة سنه ولم يكن مكلفا بشرع فانقطع إلى ربه وتحنث وسابق إلى الخيرات ومكارم الأخلاق حتى أعطاه الله الرسالة صلى الله عليه وسلم وأعلم ان الله تعالى قد وصف أقواما من النساء والرجال بصفات أذكرها ان شاء الله أذ كان الزمان لايخلو أبدا عن رجال ونساء قائمين بهذا الوصف مثل قوله ' ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين الصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ' ثم قال ' أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ' فأعد الله لهم المغفرة قبل وقوع الذنب المقدر عليهم عناية منه فدل ذلك على انهم من العباد الذين لاتضرهم الذنوب وقد ورد في الصحيح من الخبر الألهي أعمل ماشئت فقد غفرت لك فما وقعت من مثل هؤلاء الذنوب ألابالقدر المحتوم لاانتها كاللحرمة الألهية قيل لأبي يزيد أيعصي العارف قال وكان أمر الله قدرا مقدورا فتقع المعصية من العارفين أهل العناية بحكم التقدير لنفوذ القضاء السابق فلا بدمن ذكر هؤلاء الأصناف ليتبين من هو المسلم والمسلمة والمؤمن والمؤمنة ومن وصف الله منهم الذين لهم هذه المراتبة من أعداد المغفرة لهم والأجر العظيم قبل وقوع الذنب منهم وقبل حصول العمل وأمر قد عظمه الله لايكون ألاعظيما وكذلك قوله ' أولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ' وكذلك قوله تعالى ' التائبون العابدون ' وقد ذكرنا العباد ثم قال ' الحامدون السائحون ' والسياحة في هذه الأمة الجهاد وقد قال تعالى ' في خليله ان إبراهيم لاواه حليم ' فلا بدمن ذكر الأواهين والحلماء وقال فيه لحليم أواه منيب فأثنى عليه بالانابة وقال فيه انه أواب فذكره بالأوبه فهؤلاء الأصناف لابد من ذكرهم في هذا الباب ليقع عند السامع تعيين هذه الصفة ومنزلة هذا الموصوف بها وكذلك أولو النهى وأولوا الأحلام وأولوا الألباب وأولو الأبصار فما نعتهم الله بهذه النعوت سدى و المتصفون بهذه الأوصاف قد طالبهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات وما تثمر لهم من المنازل عند الله فان هذا الباب باب شريف من أشراف أبواب هذا الكتاب يتضمن ذكر الرجال وعلوم الأولياء ونحن نستوفيها ان شاء الله أو نقارب استيفاء ذلك على القدر الذي رسم لنا وعينه الحق تعالى في واقعتنا فان المبشرات هي التي أبقى الله لنا من آثار النبوة التي سد بابها وقطع أسبابها فقذف به في قلوبنا ونفث به الروح المؤيد القدسي في نفوسنا وهو الإلهام الإلهي والعلم اللدني نتيجة الرحمة التي أعطاه إياها الله من عنده من شاء من عبادنا فمنهم رضى الله عنهم الأولياء قال تعالى ' ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ' مطلقا ولم يقل في الآخرة فالولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف مآله بأخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده وبشارته حق وقوله صدق وحكمه فصل فالقطع حاصل فالمراد بالولي من حصلت له البشرى من الله كما قال تعالى ' لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ' وأي خوف وحزن يبقى مع البشرى بالخير الذي لا يدخله تأويل فهذا هو الذي أريد بالولي في هذه الآية ثم ان أهل الولاية على أقسام كثيرة فانها أعم فلك أحاطى فنذكر أهلها من البشر ان شاء الله وهم الأصناف الذين نذكرهم مضافا إلى ما تقدم في هذا الباب من ذكرهم ممن حصرتهم الأعداد ومن لا يحصرهم عدد انتهى الجزء السابع والسبعونق بالخيرات ' وهو كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المشركين في شبابه وحداثة سنه ولم يكن مكلفا بشرع فانقطع إلى ربه وتحنث وسابق إلى الخيرات ومكارم الأخلاق حتى أعطاه الله الرسالة صلى الله عليه وسلم وأعلم ان الله تعالى قد وصف أقواما من النساء والرجال بصفات أذكرها ان شاء الله أذ كان الزمان لايخلو أبدا عن رجال ونساء قائمين بهذا الوصف مثل قوله ' ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين الصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ' ثم قال ' أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ' فأعد الله لهم المغفرة قبل وقوع الذنب المقدر عليهم عناية منه فدل ذلك على انهم من العباد الذين لاتضرهم الذنوب وقد ورد في الصحيح من الخبر الألهي أعمل ماشئت فقد غفرت لك فما وقعت من مثل هؤلاء الذنوب ألابالقدر المحتوم لاانتها كاللحرمة الألهية قيل لأبي يزيد أيعصي العارف قال وكان أمر الله قدرا مقدورا فتقع المعصية من العارفين أهل العناية بحكم التقدير لنفوذ القضاء السابق فلا بدمن ذكر هؤلاء الأصناف ليتبين من هو المسلم والمسلمة والمؤمن والمؤمنة ومن وصف الله منهم الذين لهم هذه المراتبة من أعداد المغفرة لهم والأجر العظيم قبل وقوع الذنب منهم وقبل حصول العمل وأمر قد عظمه الله لايكون ألاعظيما وكذلك قوله ' أولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ' وكذلك قوله تعالى ' التائبون العابدون ' وقد ذكرنا العباد ثم قال ' الحامدون السائحون ' والسياحة في هذه الأمة الجهاد وقد قال تعالى ' في خليله ان إبراهيم لاواه حليم ' فلا بدمن ذكر الأواهين والحلماء وقال فيه لحليم أواه منيب فأثنى عليه بالانابة وقال فيه انه أواب فذكره بالأوبه فهؤلاء الأصناف لابد من ذكرهم في هذا الباب ليقع عند السامع تعيين هذه الصفة ومنزلة هذا الموصوف بها وكذلك أولو النهى وأولوا الأحلام وأولوا الألباب وأولو الأبصار فما نعتهم الله بهذه النعوت سدى و المتصفون بهذه الأوصاف قد طالبهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات وما تثمر لهم من المنازل عند الله فان هذا الباب باب شريف من أشراف أبواب هذا الكتاب يتضمن ذكر الرجال وعلوم الأولياء ونحن نستوفيها ان شاء الله أو نقارب استيفاء ذلك على القدر الذي رسم لنا وعينه الحق تعالى في واقعتنا فان المبشرات هي التي أبقى الله لنا من آثار النبوة التي سد بابها وقطع أسبابها فقذف به في قلوبنا ونفث به الروح المؤيد القدسي في نفوسنا وهو الإلهام الإلهي والعلم اللدني نتيجة الرحمة التي أعطاه إياها الله من عنده من شاء من عبادنا فمنهم رضى الله عنهم الأولياء قال تعالى ' ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ' مطلقا ولم يقل في الآخرة فالولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف مآله بأخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده وبشارته حق وقوله صدق وحكمه فصل فالقطع حاصل فالمراد بالولي من حصلت له البشرى من الله كما قال تعالى ' لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ' وأي خوف وحزن يبقى مع البشرى بالخير الذي لا يدخله تأويل فهذا هو الذي أريد بالولي في هذه الآية ثم ان أهل الولاية على أقسام كثيرة فانها أعم فلك أحاطى فنذكر أهلها من البشر ان شاء الله وهم الأصناف الذين نذكرهم مضافا إلى ما تقدم في هذا الباب من ذكرهم ممن حصرتهم الأعداد ومن لا يحصرهم عدد انتهى الجزء السابع والسبعون بسم الله الرحمن الرحيم فمن الأولياء رضى الله عنهم الانبياء صلوات الله عليهم تولاهم الله بالنبوة وهم رجال اصطنعهم لنفسه واختارهم لخدمته واختصهم من سائر العباد لحضرته شرع لهم ما تعبدهم به في ذواتهم ولم يأمر بعضهم بان يعدى تلك العبادات إلى غيرهم بطريق الوجوب فمقام النبوة مقام خاص في الولاية فهم على شرع من الله أحل لهم أمورا وحرم عليهم أمورا أقصرها عليهم دون غيرهم إذ كانت الدار الدنيا تقتضي ذلك لانها دار الموت والحيات وقد قال الله تعالى ' الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ' والتكليف هو الابتلاء فالولاية نبوة عامة والنبوة التي بها التشريع نبوة خاصة تعم من هو بهذه المثابة من هذا الصنف وهي مقام الرفعة في الخطاب الإلهي إذا لم يأمر لاغير لا في المشاهدة فمقام النبوة علو في الخطاب ومن الأولياء رضوان الله عليهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تولاهم الله بالرسالة فهم النبيون المرسلون إلى طائفة من الناس أويكون أرسالا عاما إلى الناس ولم يحصل ذلك إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فبلغ عن الله ماأمره الله بتبليغه في قوله ياأيها الرسول بلغ ماانزل أليك من ربك وما على الرسول ألاالبلاغ فمقام التبليغ هو المعبر عنه بالرسالة لاغير وماتوقفنا عن الكلام في مقام الرسول والنبي صاحب الشرع ألاان شرط أهل الطريق فيما يخبرون عنه من المقامات والأحوال ان يكون عن ذوق ولاذوق لنا ولالغيرنا ولالمن ليس بنبي صاحب شريعة في نبوة التشريع ولا في الرسالة فكيف نتكلم في مقام لم نصل إليه وعلى حال لم نذقه لاانا ولاغيري ممن ليس بنبي ذي شريعة من الله ولا رسول حرام علينا الكلام فيه فما نتكلم ألافيما لنا فيه ذوق فما عدا هذين المقامين فلنا الكلام فيه عن ذوق لان الله ماحجره ومن الأولياء أيضا الصديقون رضى الله عن الجميع تولاهم الله بالصديقية قال تعالى في الذين آمنوا بالله ورسوله ' أولئك هم الصديقون ' فالصديق من آمن بالله ورسوله عن قول المخبر لاعن دليل سوى النور الايماني الذي يجده في قلبه المانع له من تردد أوشك يدخله في قول المخبر الرسول ومتعلقه على الحقيقة الايمان بالرسول ويكون الايمان بالله على جهة القربة لاعلى أثباته أذكان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق ضرورة انظروا ولكن ماثبت كونه قربه وهذه الآية تدل على شرف أثبات الوجود ثم ان الرسول إذا آمن به الصديق آمن بما جاءبه ومما جاءبه توحيد الأله وهو قوله قولوا ' لا إله إلا الله ' أو أعلم انه ' لا إله إلا الله ' فعلم إنه واحد في ألوهية من حيث قوله وأعلم انه ' لا إله إلا الله ' وعثر على توحيده بعد نظره فصدق الرسول في قوله وصدق الله في قوله ' له ' لا إله إلا الله ' فليس بصديق وهو مؤمن عن دليل فهو عالم فقدبان لك منزل الصديقية وان الصديق هو صاحب النور الايماني الذي يجده ضرورة في عين قلبه كنور البصر الذي جعله الله في البصر فلم يكن للعبد فيه كسب كذلك نور الصديق في بصيرته ولهذا قال ' أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ' من حيث الشهادة ونورهم من حيث الصديقية فجعل النور للصديقية والأجر للشهادة وهي بنية مبالغة في التصديق والصديق كشريب وخمير وسكير فليس بين النبوة التي هي نبوة التشريع والصديقية مقام ولامنزلة فمن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة الرسالية ومن أدعى نبوة التشريع بعد محمد صلى الله عليه وسلم فقد كذب بل كذب وكفر بما جاء به الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ان ثم مقام القربة وهي النبوة العامة لانبوة التشريع فيثبتها نبي التشريع فيثبتها الصديق لأثبات النبي المشرع إياها لامن حيث نفسه وحينئذ يكون صديقا كمسئلة موسى والخضر وفتى موسى الذي هو صديقه ولكل رسول صديقون أما من عالم الانس والجان أومن أحدهما فكل من آمن نور في قلبه ليس له دليل من خارج سوى قول الرسول قل ولا يجد توقفا وبادر فدلك الضريق فإن آمن عن نظر ودليل من خارج أو توقف عند القول حتى أوجد الله ذلك النور في قلبه فآمن فهو مؤمن لا صديق فنور الصديق معد قبل وجود المصدق به ونور المؤمن غير الصديق يوجد بعد قول الرسول ' قل لا إله لإالله ' ونور المؤمن يكونه قربة بعد النظر في الدليل الذي أعطاه العلم بالتوحيد فهو في علمه بالتوحيد صاحب نور علم لانور إيمان وهوفي كون ذلك العلم والنظر قربة إلى الله صاحب نور إيمان فان نور العلم بتوحيد الله قد شهدوا الله بتوحيده قبل ذلك والرسل منهم قد وجدوه قبل ان يكونوا انبياء ورسلا فان الرسول ماأشرك قط قال تعالى ' شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ولم يقل وأولو الايمان فرتبة العلم فوق رتبة الايمان بلا شك وهي صفة الملائكة والرسل وقد يكون حصول ذلك العلم عن نظر أوضرورة كيفما كان فيسمى علما أذلاقائل ولامخبر يلزم التصديق بقوله وهذا المقام الذي أثبتناه بين الصديقية ونبوة التشريع الذي هو مقام القربة وهو للأفراد هو دون نبوة التشريع في المنزلة عند الله وفوق الصديقية قي المنزلة عند الله وهو المشار إليه بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر ففضل به الصديقين أذحصل له ماليس من شرط الصديقية ولا من لوازمها فليس بين أبي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لانه صاحب صديقية وصاحب سر فهو كونه صاحب سر بين الصديق ونبوة التشريع ويشارك فيه فلا يقصل عليه من يشاركه فيه هو من حقيقته فأفهم ذلك ومن الأولياء أيضا الشهداء رضى الله عن جميعهم تولاهم الله بالشهادة وهم من المقربين وهم أهل الحضور مع الله على بساط العلم به قال تعالى ' شهد الله انه لاأله ألاهو والملائكة وأولوا العلم ' فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور ألهى وعناية أزلية فهم الموحدون وشانهم عجيب وأمرهم غريب والايمان فرع عن هذه الشهادة فان بعث رسول وآمنوا به أغنى هؤلاء الشهداء فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وان لم يؤمنوا فليس هم الشهداء الذين انعم الله عليهم في قوله ' أولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ' ولولا قوله وحسن أولئك رفيقا ألحقنا هؤلاء الشهداء بحصول النعمة التي لأصحاب هذه الآية فانهم وان كانوا موحدين غير مؤمنين مع وجود الرسول أليهم لم تحسن مرافقتهم للمؤمنين فإنهم يشوشون على المؤمنين إيمانهم وهؤلاء الأعداء الذين تعمهم هذه الآية هم العلماء بالله المؤمنون بعد العلم بما قال سبحانه أذ ذلك قربة أليه من حيث قاله الله أوقاله الرسول الذي جاء من عند الله فقدم الصديق على الشهيد وجعله بأزاء النبي فانه لاواسطة بينهما لأتصال نور الايمان بنور الرسالة والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث ماهو شاهد لله بتوحيده لامن حيث هو رسول فلا يصح ان يكون بعده مع المساوقة فكانت المساوقة تبطل ولايصح ان يكون معه لكونه رسولا والشاهد ليس برسول فلابد ان يتأخر فلم يبق ألا ان يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فان الصديق أتم نورا من الشهيد في الصديقية لانه صديق من وجهين من وجه التوحيد ومن وجه القربة والشهيد من وجه القربة خاصة لامن وجه التوحيد فان توحيده عن علم لاعن أيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الايمان وهو فوق الصديق في مرتبة العلم فهو المتقدم في رتبة العلم المتأخر برتبة الايمان والتصديق فانه لايصح من العالم ان يكون صديقا وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم انه صادق في توحيد الله إذا بلغ رسالة الله والصديق لم يعلم ذلك ألابنور الايمان المعد في قلبه فعندما جاءه الرسول أتبعه من غير دليل ظاهر فقد عرفت منازل الشهداء عند الله ومن الأولياء رضى الله عنهم الصالحون تولاهم الله بالصلاح وجعل رتبتهم بعد الشهداء في المرتبة الرابعة لكن الشكل دائرة كمارسمناه في الهامش فالنبوة أبتدأ بها حتى انتهى إلى الصلاح ونهاية الشكل المستدير إذا كان مجعولا ترتبط بالبداية حتى تصح الدائرة ومامن نبي ألاوقد ذكر انه صالح أوانه دعا ان يكون من الصالحين مع كونه نبيافدل على ان رتبة الصلاح خصوص في النبوة فقد تحصل لمن ليس بنبي ولاصديق ولا شهيد فصلاح الانبياء هو مما يلي بدايتهم وهو عطف الصلاح عليهم فهم صالحون للنبوة فكانوا انبياء وأعطاهم الدلالة فكانوا شهداء وأخبرهم بالغيب فكانوا صديقين فالانبياء صلحت لجميع هذه المقامات فكانوا صالحين فجمعت الرسل جميع المقامات كماصلح الصديقون للصديقية وصلح الشهداء للشهادة وكل موجود فهو صالح لما وجدله غير ان هؤلاء الصالحين الذين أثنى الله عليهم بانه انعم عليهم هم المطلوبون في هذا المقام وهم المنخرطون في سلك هذا النمط فهم رابعو أربعة وأراد بالنبيين هنا الرسل أهل الشرع سواء أولم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم فالصالحون هم الذين لايدخل علمهم بالله وبما جاء من عند الله خلل فان دخله خلل بطل كونه صالحا فهذا هو الصلاح الذي رغبت فيه الانبياء صلوات الله عليهم فكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح ولافي شهادته فهو صالح ولافي نبوته فهو صالح والانسان حقيقته ألامكان فله ان يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لان النبي لوكان نبيا لنفسه أولا نسانيته لكان كل انسان بتلك المثابة إذا لعلة في كونه نبيا كونه انسانا فلما كان الأمر أختصاصا ألهيا جار دخول الخلل فيه وجاز رفعه فصح ان يدعو الصالح بان يجعل من الصالحين أي الذين لايدخل صلاحهم خلل في زمان مافهذا نعني بالصالحين في هذا الباب والله الموفق ومن الأولياء أيضا رضى الله عنهم المسلمون والمسلمات وهكذا كل طائفة ذكرناهم منهم الرجال والنساء تولاهم الله بالأسلام وهو انقياد خاص لما جاء من عند الله لاغير فإذا وفي العبد الأسلام بجميع لوازمه وشروطه وقواعده فهو مسلم وان انتقض شيأ من ذلك فليس بمسلم فيما أخل به من الشروط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ' واليد هنا بمعنى القدرة أي سلم المسلمون مما هو قادر على ان يفعل بهم ممالا يقضيه الأسلام من التعدي لحدود الله فيهم فأتى بالأعم وذكر اللسان لانه قد يؤذي بالذكر من لايقدر على أيصال الأذى أليه بالفعل وهو البهتان هنا خاصة لا الغيبة فانه قال المسلمون فلو قال الناس لدخلت الغيبة وغير ذلك من سوء القول فلم يثبت الشارع الأسلام ألالمن سلم المسلمون وهم أمثاله في السلامة فالمسلمون هم المعتبر في هذا الحديث وهم المقصود فان المسلمين لايسلمون من لسان من يقع فيهم ولا حتى يكونوا أبرياء مما نسب أليهم ولذلك فسرناه بالبهتان فان النبي صلى الله عليه وسلم قال ' إذا قلت في أخيك ماليس فيه فذلك البهتان ' وفي رواية فقد نبهته فخاب سهمك الذى رميته به فانه ماوجد منفذا فانك نسبت أليه ماليس هو عليه فسماهم الله مسلمين فمن وقع فيمن هذه صفته فليس بمسلم لان ذلك الوصف الذي وصفه المسلم به ورماه به ولم يكن المسلم محلاله عاد على قائله فلم يكن الرامي له بمسلم فانه ماسلم مما قال أذ صار عليه سهم كلامه الذي رماه به قال صلى الله عليه وسلم ' من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما ' وقال تعالى ' في حق قوم قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا انؤمن كما آمن السفهاء ' قال الله فيهم ألا انهم هم السفهاء ولكن لايعلمون فأعاد الصفة عليهم لما لم يكن المسلمون المؤمنون أهل سفه أي ضعف رأي في أيمانهم فعاد مانسبوه من ضعف الرأي الذي هو السفه أليهم فليس المسلم الأمن سلم من جميع العيوب الأصلية والطارئة فلا يقول في أحد شرا ولا يؤثر فيه إذا قدر عليه شرا أصلا وليس إقامة الحدود بشر فانه خير إذ جعل الله إقامة الحدود كشرب الدواء للمريض لأجل العافية وزوال المرض فهو وان كان كريها في الوقت فان عاقبته محمودة فما قصد الطبيب بشرب الدواء شرا للمريض وانما أعطاه سبب حصول العافية فيتحمل ما فيه من الكراهة في الوقت كذلك إقامة الحدود وأما القصاص في مثل قوله ' وجزاء سيئة سيئة مثلها ' فلا يخرجه ذلك عن الإسلام فان النبي صلى الله عليه وسلم اشترط سلامة المسلمين ومن إذاك ابتداء عن قصد منه فليس بمسلم فانك ما سلمت منه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول من سلم المسلمون فلا يقدح القصاص في الإسلام فانك ما آذيت مسلما من حيث إذاك فان المسلم لا يؤذي المسلم بل أسقط عنه القصاص في الدنيا القصاص في الآخرة فقد انعم عليه بضرب من النعم فان عفا وأصلح ولم يؤاخذه وتجاوز عن سيئته فذلك المقام العالي وأجره على الله بشرط ترك المطالبة في الآخرة وحق الله ثابت قبله لانه تعدى حده فقدح في إسلامه قدر ما تعدى فيه فان عصى المسلم ربه في غير المسلم هل يكون مسلما بذلك أم لا قلنا لا يكون مسلما فان الله يقول ' ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ' والمسلم لا يكون ملعونا فلقائل ان يقول هنا بالمجموع كانت اللعنة ونحن انما قلنا من آذى الله وحده قلنا كل من آذى الله وحده في زعمه فقد آذى المسلمين فان المسلم يتأذى إذا سمع في الله من القول ما لا يليق به فهو مؤاخذ من جهة ما تأذى به المسلمون من قولهم في الله ما لا يليق به فان قيل ' فان لم يعرف ذلك المسلمون منه حتى يتأذوا من ذلك قلنا حكم ذلك حكم الغيبية فانه لو عرف من اغتيب تأذى وهو مؤاخذ بالغيبية فهو مؤاخذ بايذائه الله وان لم يعرف بذلك مسلم قال صلى الله عليه وسلم لا أحد أصبر على الأذى من الله المسلم من كان بهذه المثابة وهو السعيد المطلق وقليل ما هم ومن الأولياء أيضا رضى الله عنهم المؤمنون والمؤمنات تولاهم الله بالايمان الذي هو القول والعمل والإعتقاد وحقيقته الإعتقاد شرعا ولغة وهو في القول والعمل شرعا لا لغة فالمؤمن من كان قوله وفعله مطابقا يعتقده في ذلك الفعل ولهذا قال في المؤمنين ' نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم ' يريد ما قدموه من الأعمال الصالحة عند الله فأولئك من الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما قال صلى الله عليه وسلم ' المؤمن من آمنه الناس على أموالهم وانفسهم ' وقال صلى الله عليه وسلم ' المؤمن من آمن جاره بواثقة ' ولم يخص مؤمنا ولا مسلما بل قال الناس والجار من غير تقييد فان المسلم قيده بسلامة المسلمين ففرق بين المسلم والمؤمن بما قيده به وبما أطلقه فعلمنا ان للإيمان خصوص وصف وهو التصديق تقليدا من غير دليل ليفرق بين الايمان والعلم وأعلم ان المؤمن المصطلح عليه في طريق الله عند أهله الذي اعتبره الشرع له علامتان في نفسه إذا وجدهما كان من المؤمنين العلامة الواحدة ان يصير الغيب له كالشهادة في عدم الريب فيما يظهر على المشاهد لذلك الأمر الذي وقع به الايمان من الإيثار في نفس المؤمن كما يقع في نفس المشاهد له فيعلم انه مؤمن بالغيب والعلامة الثانية ان يسري الأمان منه في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أموالهم وانفسهم وأهليهم من غير ان تتخلل ذلك الأمان تهمة في انفسهم من هذا الشخص وانفعلت لأمانة النفوس فذلك هو المشهود له بانه من المؤمنين ومهما لم يجد هاتين العلامتين فلا يغالط نفسه ولا يدخلها في المؤمنين فليس إلا ما ذكرنا ومن الأولياء أيضا القانتون لله والقانتات رضى الله عنهم تولاهم الله بالقنوت وهو الطاعة لله في كل ما أمر به ونهى عنه زهذا لا يكون إلا بعد نزول الشرائع وما كان منه قبل نزول الشرائع فلا يسمى قنوتا ولا طاعة ولكن يسمى خيرا ومكارم خلق وفعل ما ينبغي قال الله تعالى ' وقوموا لله قانتين ' أي طائعين فأمر بطاعته وقال تعالى ' والقانتين والقانتات ' وقال تعالى ' ان الأرض لله يرثها عبادي الصالحون ' وليس يرث الصالح من الأرض إلا اتيانها لله طائعة مع السماء حين قال ' لها ولللأرض أتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ' فورث العباد منها الطاعة لله وهي المعبر عنها بالقنوت إذ الساجدون لله على قسمين منهم من يسجد طوعا ومنهم من يسجد كرها فالقانت يسجد طوعا وتصحيح طاعتهم لله وقنوتهم ان يكون الحق لهم بهذه المثابة للموازنة كما قال ' اذكروني أذكركم ' ' ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ' فالحق مع العبد على قدر ما هو العبد مع الحق وقفت يوما انا وعبد صالح معي يقال له الحاج مدور يوسف الأستجي كان من الأميين المنقطعين إلى الله المنورة بصائرهم على سائل يقول من يعطي شيأ لوجه الله ففتح رجل صرة دراهم كانت عنده وجعل ينتقي له من بين الدراهم قطعة صغيرة يدفعها للسائل فوجد ثمن درهم فأعطاه إياه وهذا العبد الصالح ينظر إليه فقال لي يا فلان تدري على من يفتش هذا المعطي قلت لا قال على قدره عند الله لانه أعطى السائل لوجه الله فعلى قدر ما أعطى لوجهه ذلك قيمته عند ربه ولكن من شرط القانت عندنا انه يطيع الله من حيث ما هو عبد الله لا من حيث ما وعده الله به من الأجر والثواب لمن أطاعه . وأما الأجر الذي يحصل للقانت فذلك من حيث العمل الذي يطلبه لا من حيث الحال الذي أوجب له القنوت قال الله تعالى في القانتات من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ' من يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ' فالأجر هنا للعمل الصالح الذي عملته وكان مضاعفا في مقابله قوله تعالى في حقهن ' يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ' لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل الفاحشة كذلك ضوعف الأجر للعمل الصالح ومكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ' ويبقى القنوت معرى ' عن الأجر فانه أعظم من الأجر فانه ليس بتكليف وانما الحقيقة تطلبه وهو حال يستصحب العبد في الدنيا والآخرة ولهذا قال ' ان كل من في السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبدا ' يعني يوم القيامة فالقنوت مع العبودية في دار التكليف لا مع الأجر ذلك هو القنوت المطلوب والحق انما ينظر للعبد في طاعته بعين باعثة على تلك الطاعة ولهذا قال تعالى آمرا ' وقوموا لله قانتين ' ولم يسم أجر ولا جعل القنوت إلا من أجله لا من أجل أمر آخر فهؤلاء هم القانتون والقانتات ومن الأولياء أيضا الصادقون والصادقات رضى الله عنهم تولاهم الله بالصدق في أقوالهم وأحوالهم فقال تعالى ' رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه ' فهذا من صدق أحوالهم والصدق في القول معلوم وهو ما يخبر به وصدق الحال ما يفي به في المستانف وهو أقصى الغاية في الوفاء لانه شديد على النفس فلا يقع الوفاء به في الحال والقول إلا من الأشداء الأقوياء ولا سيما في القول فانك لو حكيت كلاما عن أحد كان بالفاء فجعلت بدله واو لم تكن من هذه الطائفة فانظر ما أغمض هذا المقام وما أقواه فان نقلت الخبر على المعنى تعرف السامع انك نقلت على المعنى فتكون صادقا من حيث أخبارك عن المعنى عند السامع ولاتسمى صادقا من حيث نقلك لما نقلته فانك مانقلت عين لفظ من نقلت عنه ولاتسمى كاذبا فانك قد عرفت السامع انك نقلت المعنى فانت مخبر للسامع عن فهمك لا عمن تحكي عنه فانت صادق عنده في نقلك عن فهمك لاعن الرسول أومن تخير عنه ان ذلك مراده بما قال فالصدق في المقال عسير جدا قليل من الناس من يفي به ألامن أخبر السامع انه ينقل على المعنى فيخرج عن العهدة فالصدق في الحال أهون منه ألاانه شديد على النفوس فانه يراعي جانب الوفاء لما عاهد من عاهد عليه وقد قرن الله الجزاء بالصدق والسؤال عنه فقال ليجزي الله الصادقين بصدقهم ولكن بعد ان يسأل الصادقين عن صدقهم فإذا ثبت لهم جازاهم به وجزاؤهم به هو صدق الله فيما وعدهم به فجزاء الصدق الصدق الألهي وجزاء ماصدق فيه من العمل والقول بحسب مايعطيه ذلك العمل أو القول فهذا معنى الجزاء وأما السؤال عنه فمن حيث أضافة الصدق أليهم لانه قال تعالى عن صدقهم وماقال عن الصدق فان أضاف الصادق إذا سئل صدقه إلى ربه لاإلى نفسه وكان صادقا في هذه الأضافة انها وجدت منه في حين صدقه في ذلك الأمر في الدار الدنيا أرتفع عنه الأعتراض فان الصادق هو الله وهو قوله المشروع لاحول ولاقوة ألابالله فإذا كانت القوة به وهي الصدق فأضافتها إلى العبد انما هو من حيث أيجادها فيه وقيامها به وان قال عند سؤال الحق إياه عن صدقه انه لما صدق في فعله أوقوله في الدنيا لم يحضر في صدقه ان ذلك بالله كان منه كان صادقا في الجواب عند السؤال ونفعه ذلك عند الله في ذلك الموطن وحشر مع الصادقين وصدق في صدقه وهذا من أغمض مايحتوي عليه هذا المقام ويطرأفيه غلط كبير في هذا الطريق وهو ان يقول المريد أوالعارف كلاما مايترجم به عن معنى في نفسه قد وقع له ويكون في قوة دلالة تلك العبارة ان تدل على ذلك المعنى وعلى غيره من المعاني التي هي أعلى مما وقع له في الوقت ثم يأتي هذا الشخص في الزمان الآخر فيلوح له من مطلق ذلك اللفظ معنى غامض هو أعلى وأدق وأحسن من المعنى الذي عبر عنه بذلك اللفظ أولا فإذا سئل عن شرح قوله ذلك شرحه بما ظهر له في ثاني الحال لابأول الوضع فيكون كاذبا في أصل الوضع صادقا في دلالة اللفظ فالصادق يقول كان قد ظهر لي معنى ماوهو كذا فأخرجته أو كسوته هذه العبارة ثم انه لاح لي معنى هو أعلى منه لما نظرت في مدلول هذه العبارة فتركت هذه العبارة عليه أيضا في الزمان الثاني ولايقول خلاف هذا وهذا من خفي رياسة النفوس وطلبها للعلو في الدنيا وقد ذم الله من طلب علوا في الأرض فإذا أراد العارف ان يسلم من هذا الخطر ويكون صادقا إذا أراد ان يترجم عن معنى قام له فليحضر في نفسه عند الترجمة انه يترجم عن الله عن كل مايحويه ذلك اللفظ من المعاني في علم الله ومن جملتها المعنى الذي وقع له فإذا أحضر هذا ولاح له ماشاء الله ان يمنحه من المعاني التي يدل عليها ذلك اللفظ كان صادقا في الشرح انه قصد ذلك المعنى على الأجمال والأبهام لانه لم يكن يعلم على التعيين مافي علم الله مما يدل عليه ذلك اللفظ أحضار مثل هذا عند كل أخبار وقت الأخبار عزيز لسلطان الغفلة والذهول الغالب على الانسان فليعود الانسان نفسه مثل هذا الأستحضار فانه نافع في أستدامة المراقبة والحضور مع الحق وهذا التنبيه الذي نبهت الصادقين عليه مايشعر به أكثر أهل طريقنا فانهم لايحققون معناه وربما يتخيلون فيه انه شبهة فيفرون منه وليس كذلك بل ذلك هو غاية الأدب البشرى مع الله حيث يعبر عما في علم الله فهذا من الأدوية النافعة لهذا المرض لمن أستعمله وفقنا الله والسامعين لأستعماله واستعمال أمثاله ومن الأولياء أيضا الصابرون والصابرات رضى الله عنهم تولاهم الله بالصبر وهم الذين حبسوا انفسهم مع الله على طاعته من غير توقيت فجعل الله جزاءهم على ذلك من غير توقيت فقال تعالى ' انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ' فما وقت لهم فانهم لم يوقتوا فعم صبرهم جميع المواطن التي يطلبها الصبر فكما حبسوا نفوسهم على الفعل بما أمروا به حبسوها أيضا على ترك مانهوا عن فعله فلم يوقتوا فلم يوقت لهم الأجر وهم الذين أيضا حبسوا نفوسهم عند وقوع البلايا والرزايا بهم عن سؤال ماسوى الله في رفعها عنهم بدعاء الغير أوشفاعة أوطب ان كان من البلاء الموقوف أزالته على الطب ولايقدح في صبرهم شكواهم إلى الله في رفع ذلك البلاء عنهم ألاترى أيوب سأل ربه رفع البلاء عنه بقوله مسني الضر وانت أرحم الراحمين أي أصاب مني فشكا ذلك إلى ربه عزوجل وقال له وانت أرحم الراحمين ففي هذه الكلمة أثبات وضع الأسباب وعرض فيها لربه برفع البلاء عنه فأستجاب له ربه وكشف مابه من الضر فأثبت بقوله تعالى ' فأستجبنا له ان دعاءه كان في رفع البلاء فكشف مابه من ضر ومع هذا أثنى عليه بالصبر وشهدله به فقال انا وجدناه صابر انعم العبد انه أواب أي رجاع ألينا فيما أبتليناه به وأثنى الله على أيوب بالصبر وقد أثنى عليه به بل عندما من سوء الأدب مع الله ان لايسأل العبد رفع البلاء عنه لان فيه رائحة من مقاومة القهر الألهي بمايجده من الصبر وقوته قال العارف انما جوعني لأبكي فالعارف وان وجد القوة الصبرية فليفر إلى موطن الضعف والعبودية وحسن الأدب ان القوة لله جميعا فيسأل ربه رفع البلاء عنه أوعصمته منه ان توهم وقوعه وهذا لايناقض الرضا بالقضاء فان البلاء انما هو عين المقضي لا القضاء فيرضى بالقضاء ويسأل الله في رفع المقضي عنه فيكون راضيا صابرا فهؤلاء أيضاهم الصابرون الذين أثنى الله عليهم ومن الأولياء أيضا الخاشعون والخاشعات رضى الله عنهم تولاهم الله بالخشوع من ذل العبودية القائم بهم لتجلي سلطان الربوبية على قلوبهم في الدار الدنيا فينظرون إلى الحق سبحانه من طرف خفي يوجده الله لهم في قلوبهم في هذه الحالة خفي عن أدراك كل مدرك إياه بل لايشهد ذلك النظر منهم ألاالله فمن كانت حالته هذه في الدار الدنيا من رجل وأمرأة فهو الخاشع وهي الخاشعة فيشبه القنوت من وجه ألاان القنوت يشترط فيه الأمر الألهي والخشوع لايشترط فيه ألاالتجلي الذاتي وكلتا الصفتين تطلبهما العبودية فلا يتحقق بهما ألاعبد خالص العبودية والعبودة وله حال ظاهر في الجوارح التي لها الحركات وحال باطن في القلوب فيورث في الظاهر سكونا ويؤثر في الباطن ثبوتا والقنوت يورث في الظاهر بحسب مانرد به الأوامر من حركة وسكون فان كان القانت خاشعا فحركته في سكون ولابد ان ورد الأمر بالتحرك فيورث القنوت في الباطن انتقالات أدق من الانفاس متوالية مع الأوامر الألهية الواردة عليه في عالم باطنه فالخاشع في قنوته في الباطن ثبوته على قبول تلك الأوامر الواردة عليه من غير ان يتخللها مايخرجها عن ان تكون مشهودة لهذا الخاشع فالخاشع والقانت خشوعه وقنوته أخوان متفقان في الموفقين من عباد الله ومن الأولياء أيضا المتصدقون والمتصدقات رضى الله عنهم تولاهم الله بجوده ليجودوا بما أستخلفهم الله فيه مما أفتقر إليه خلق الله فأحوج الله الخلق إليهم لغناهم بالله فالكلمة الطيبة صدقة ولما كان حالهم التعمل في الأعطاء لا العمل دل على انهم متكسبون في ذلك لنظرهم ان ذلك ليس لهم وانما هو لله فلايدعون فيما ليس لهم فلامنة لهم في الذي يوصلونه إلى الناس أوالى خلق الله من جميع الحيوانات وكل متغذ عليهم بكونهم مؤدبين أمانة كانت بأيديهم أوصلوها إلى مستحقيها فلا يرون أن لهم فضلا عليهم فيما أخرجوه وهذه الحالة لايمدحون بها ألا مع الدوام والدؤوب عليها في كل حال والعارفون هنا في هذه الصفة على طبقتين منهم من يكون عين ما يعطيه مشهودا له انه حق لمن يعطيه لان الله ما خلق الأشياء التي يقع بها الانتفاع لنفسه وانما خلق الخلق للخلق فهذا معنى الاستحقاق وطبقة أخرى يكون مشهودا لهم كون خالق النعمة مختارا فيبطل عندهم الأستحقاق بأنهم يرون ان الله ما خلق الخلق أجمعه ألالعبادته ولهذا قال ' وان من شيء ألايسبح بحمده ويسجد له وكان إيصال بعض الخلق للخلق بحكم التبعية لا بالقصد الأول وان لم يكن هناك مايقال فيه قصد أول ولا ثان ولكن العبارات من أجل أبراز الحقائق تعطي ذلك والله عباد من المتصدقين أقامهم الحق بين هاتين الطبقتين فهم ينظرون في حين كونهم متصدقين الأستحقاق لبقاء عين من تصدق عليه ليصح منه ماخلق له من التسبيح لربه والثناء عليه ولكن لامن حيث انه آكل مثلا ولاشارب في حق من يكون بقاؤه بالأكل والشرب فذلك لايكون بأستحقاق وانما الأستحقاق مابه بقاؤه وأسبابه كثيرة ثم تنظر هذه الطبقة الثالثة المتولدة بينهما من عين آخر معا وهو ان تنظر إلى الحق من حيث ماتقضيه ذاته فيرتفع عندها الأختيار وترى ان المظاهر الألهية هي المسبحة فلا يسبح الله ألا الله ولايحمده هو فهو الأثناء ذاتي لأثناء أفتقار لأكتساب ثناء فهؤلاء أحق باسم المتصدقين من غيرهم حيث أثبتوا أعيانهم ونفوا أحكامهم والله الهادي ومن الأولياء أيضا الصائمون والصائمات رضى الله عنهم تولاهم الله بالأمساك الذي يورثهم الرفعة عند الله تعالى عن كل شيء أمرهم الحق ان يمسكوا عنه انفسهم وجوارحهم فمنه ماهو واجب ومندوب وأما قوله تعالى لهذه الطائفة ' ثم أتموا الصيام إلى الليل ' تنبيها على غاية توقيت الأمساك في عالم الشهادة وهو النهار والليل ضرب مثال محقق للغيب فإذا وصلوا إلى رتبة مصاحبة عالم الغيب المعبر عنه بالليل لم يصح هنالك الأمساك فان أمساك النفس والجوارح انما هو في المنهيات وهي في عالم الشهادة فان عالم الغيب أمر بلا نهى ولهذا سموا عالم الأمر وذلك لان عالم الغيب عقل مجرد لاشهوة لهم فلا نهى عندهم في مقام التكليف فهم كما أثنى الله عليهم في كتابة العزيز لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون ولم يذكر لهم نهى عن شيء لان حقائقهم لاتقتضيه فإذا صام الانسان وانتقل من بشريته إلى عقله فقد كمل نهاره وفارقه الأمساك لمفارقة النهى والتحق بعالم الأمر بعقله فهو عقل محض لاشهوة عندهم ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم ' في حقه إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ' يقول وغربت الشمس عن عالم الشهادة وطلعت على عالم عقله فقد أفطر الصائم أي لم يمتنع فارتفع عنه التحجير لان عقله لايتغذى مما أمره الحق بالأمساك عنه وهو حظ طبعه فاعلم ذلك وإذا كان الأمر على هذا الحد وحصلت له الرفعة الألهية عن حكم طبعه ورفعه التجلي عن حكم فكره أذ كان الفكر من حكم الطبع العنصري ولهذا لايفكر الملك ويفكر الانسان لانه مركب من طبيعة عنصرية وعقل فالعقل من حيث نفسه له التجلي فيرتفع عن حضيض الفكر الطبيعي المصاحب للخيال الآخذ عن الحس والمحسوس قال الشاعر ' إذا صام النهار وهجر ' أي ارتفع النهار فمن ليست له هذه الرفعة عن هذا الإمساك فما هو الصائم المطلوب المسمى عندنا فهذا هو صوم العارفين بالله وهم أهل الله انتهى الجزء الثامن والسبعون بسم الله الرحمن الرحيم ومن الأولياء الحافظون لحدود الله والحافظات رضى الله عنهم تولاهم الله بالحفظ الإلهي فحفظوا به ما تعين عليهم ان يحفظوه وهم على طبقتين ذكرهم الله وهم الحافظون فروجهم فعين وخصص والحافظون لحدود الله فعمم وقال في الحافظين لحدود الله وبشر الصابرين على ذلك وهم الذين حبسوا انفسهم عند الحدود ولم يتعدوها مطلقا وقال في الحافظين فروجهم أعد الله لهم مغفرة أي ستر الان الفرج عورة تطلب السترة فهو انباء عن حقيقة قال تعالى ' قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ' فيسترها غيره وفيها قال ' ولباس التقوى ' والوقاية ستر لانه يتقي بها ما ينبغي ان يتقي منه فجعل التقوى لباسا ينبه ان ذلك ستر والستر الغفر والعورة هي المائلة يريد المائلة إلى الحق عن نفسه ورؤية شهود وجودها فأمر بستر ذلك من أجل الأدب الإلهي لما نسب إليها من المذام وجعلها من الأسرار المكتومة المستورة ألا ترى النكاح يسمى سرا قال الله تعالى ' لا تواعدوهن سرا ' وهذا كله يؤذن بالستر فمن صر على حفظ الحدود وسترها فان الله يستره بما تطلبه هذه الحقيقة وأعلم ان الحفظ حفظان وأهله طبقتان وقد يجتمع الحفظان في شخص واحد وقد تنفرد طبقة واحدة بحفظ واحد فلهذا فصل الله بينهما فأطلق في حق طائفة وقيد في حق أخرى ثم ان الذين أطلق في حقهم الحفظ لحدود الله هم على طبقتين فمنهم من عرف الحدود الذاتية فوقف عندها وذلك العالم الحكيم المشاهد المكاشف صاحب العين السليمة وصاحب هذا المقام قد لا يكون صاحب طريقة معينة لان الانسانية تطلبها ومنهم من عرف الحدود الرسمية ولم يعلم الحدود الذاتية وهم أرباب الايمان ومنهم من عرف الحدود الرسمية والذاتية وهم الانبياء والرسل ومن دعا إلى الله على بصيرة من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم الأولى بان يطلق عليهم الحافظون لحدود الله الذاتية الرسمية معا وأما الحافظون فروجهم فهم على طبقتين منهم من يحفظ فرجه عنما أمر بحفظه منه ولا يحفظه مما رغب في استعماله لأمور إلهية وحكم ربانية أظهرها ابقاء النوع على طريق القرية ومنهم من يحفظ فرجه ابقاء على نفسه لغلبة عقله على طبعه وغيبته عما سنه أهل السنن من الترغيب في ذلك فان انفتح له عين وانفرج له طريق إلى ما تعطيه حقيقة الوضع المرغب في النكاح فذلك صاحب فرج فلم يحفظه الحفظ الذي أشرنا إليه وأما صاحب الشرع الحافظ به فلا بد له من الفتح ولكن إذا اقترنت مع الحفظ الهمة فإن لم يقترن معه الهمة فقد يصل إلى هذا المقام وقد لا يصل جعلنا الله من الحافظين لحدود الله الذاتية والرسمية فان الله بكل شئ حفيظ ومن الأولياء الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رضى الله عنهم تولاهم الله بألهام الذكر ليذكروه فيذكرهم وهذا يتعلق بالاسم الآخر وهو صلاة الحق على العبد فالعبد هنا سابق والحق مصل لان المقام يقتضيه فانه قال تعالى ' اذكروني أذكركم ' فأخر ذكره إياهم عن ذكرهم إياه وقال ' من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ' وقال ' من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ' وقال ' فاتبعوني يحببكم الله ' فكل مقام إلهي يتأخر عن مقام كوني فهو من الاسم الآخر ومن باب قوله تعالى ' هو الذي يصلي عليكم فالأمر يتردد بين الاسمين الإلهيين الأول والآخر وعين العبد مظهر لحكم هذين الاسمين وهذا هو الفصل الذي يسميه الكوفيون العماد مثل قوله انت من قوله كنت انت الرقيب عليهم فلولا الإعتماد على عين العبد ما ظهر سلطان هذين الاسمين إذ العين هناك واحدة لا متحدة وفي العبد متحدة لا واحدة فالأحدية لله والإتحاد للعبد لا الأحدية فانه لا يعقل العبد إلا بغيره لا بنفسه فلا رائحة له في الأحدية أبدا والحق قد تعقل له الأحدية وقد تعقل بالأضافة لان الكل له بل هو عين الكل لا كلية جمع بل حقيقة أحدية تكون عنها الكثرة لا يصح هذا إلا في جناب الحق خاصة فلا يصدر عن الواحد ابدا في قضية العقل إلا واحدا لا أحدية الحق فان الكثرة تصدر عنها لان أحديته خارجة عن الحكم العقل وطوره فأحدية حكم العقل هي التي لا تصدر عنها إل واحدة وأحدية الحق لا تدخل تحت الحكم كيف يدخل تحت الحكم من خلق الحكم والأحكام لا إله إلا هو العزيز الحكيم فالذكر أعلى المقامات كلها والذاكر هو الرجل الذي له الدرجة على غيره من أهل المقامات كما قال تعالى ' وللرجال عليهم درجة ' ومن الذكر سمى الذكر الذي هو نقيض الانثى فهو الفاعل والانثى منفعلة كحواء من آدم فقد نبهتك بذكر الحق عن ذكرك من كونه مصليا فحواءعن ذكر بشري صوري إلهي وعيسى عن ذكر روحي ملكي في صورة بشر فذكر حواء أتم بسبب الصورة وذكر عيسى أتم بالملكية المتجلية في الصورة البشرية المخلوقة على الحضرة الإلهية فجمع بين الصورة والروح فكان نشأة تمامية ظاهره بشر وباطنه ملك فهو روح الله وكلمته فلن يستنكف المسيح ان يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون أي من أجل الله لمن ظهر من المخلوقين بالعزة فذلوا لهم تحت العزة الإلهية إذ لا يصح ذلة إلا بظهورها فالأعزاء من الخلائق هم مظاهر العزة الإلهية فالتواضع من تواضع تحت جبروت المخلوقين والفقير على الحقيقة من افتقر إلى الأغنياء من المخلوقين لان غنى المخلوق هو مظهر لصفة الحق فالفقير من افتقر إليها ولم يحجبه المظهر عنها وهكذا كل صفة علوية إلهية لا تنبغي إلا لله يكون مظهرها في المخلوقين فان العلماء بالله يذلون تحت سلطانها ولا يعرف ذلك إلا العلماء بالله فإذا رأيت عارفا يزعم انه عارف وتراه يتعزز على ابناء الدنيا لما يرى فيهم من العزة والجبروت فاعلم انه غير عارف ولا صاحب ذوق وهذا لا يصح إلا للذاكرين الله كثيرا والذاكرات أي في كل حال هذا معنى الكثير فانه من الناس من يكون له هذه الحالة في أوقات ما ثم تنحجب فدل انحجابه على انها لم تكن هذه المعرفة عنده عن ذوق وانما كانت عن تخيل وتوهم وتمثل لا عن تحقق ومن الأولياء أيضا التائبون والتائبات والتوابون رضى الله عنهم ولا هم الله بالتوبة إليه في كل حال أو في حال واحد سار في كل مقام واعلم ان الله سبحانه وصف نفسه بالتواب لا بالتائب وذكر محبته للتوابين فقال ' ان الله يحب التوابين ' وهم الراجعون منه إليه وأما من رجع إليه من غيره فهو تائب خاصة فانه لا يرجع إليه من غيره من هذه صفته إلا إلى عين واحدة ومن يرجع منه إليه فانه يرجع إلى أسماء متعددة في عين واحدة وذلك هو المحبوب ومن أحبه الله كان سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وجميع قواه ومحال قواه أي هو عين قواه بل محال قواه فما أحب إلا نفسه وهو أشد الحب من حب الغير فان حب الغير من حب النفس وليس حب النفس من حب الغير فالحب الأصلي هو حب الشئ نفسه إن الله يحب التوابين وهو التواب والتوابون مجلى صورة التواب فرأى نفسه فأحبها لانه الجميل فهو يحب الجمال والكون مظاهره فما تعلقت محبته إلا به فان الصور منه وعين العبد في العناية الإلهية غرق فالتائب راجع إليه من عين المخالفة ولو رجع ألف مرة في كل يوم فما يرجع إلا من المخالفة لعين واحدة وهو القابل التوب خاصة والتواب ينتقل في الانات مع الانفاس من الله إلى الله بالموافقات بل لا يكون إلا كذلك وان ظهرت في الظاهر ممن هذه صفته عند الله مخالفة فالجهل الناظر بالصورة التي أدخلت عليه الشبهة فانه يتخيل انه قد اجتمع معه في الحكم وما عنده خبر انه ممن قيل له إعمل ما شئت وأتيح له ما حجر على غيره ثم بين له فقال فقد غفرت لك أي سترتك عن خطاب التحجير فالتواب هوالمجهول في الخلق لانه محبوب والمحب غيور على محبوبه فستره عن عيون الخلق فانه لو كشفه لعباده ونظروا إلى حسن المعنى في باطنه لأحبوه ولو أحبوه لصرفوا همتهم إليه فآثروا فيه الإقبال عليه تخلقا حقيقيا من قوله ' أذكروني أذكركم واتبعوني يحببكم الله ' فكان سبب إقبال الحق على العبد إقبال العبد على أمر الحق فما ظنك بالمخلوق فهو أسرع في الإقبال عليهم لانه محل يقبل الأثر فلهذا القبول الصادر منه ولو أحبهم الخلق سترهم فلم يعرفوا فهم العرائس المخدرات خلف حجاب الغيرة فيقال فيهم مذنبون وليسوا والله بمذنبين بل مصانين محفوظين وهذا المقام هو مقام التوبة من التوبة أي من التوبة التي يقال في صاحبها تائب بالتوبة التي يقال في صاحبها تواب قال بعضهم في ذلك يا ربة العود خذي في الغنا . . . وحركي من صوته ما ونا

فان مسود قميص الدجى . . . لونه الصبح بما لونا

قد تاب أقوام كثيرةوما . . . تاب من التوبة إلا انا

ولنا في هذا المقام على أتم إشارة من قول الأول

مافاز بالتوبة إلاالذي . . . قد تاب منها والورى نوم

صفحه ۳۴