فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
وصل في فصل
فإن كان الإمام مكيا فاختلفوا هل يقصر أم لا هنا وبمنى وبالمزدلفة فمن قائل بالقصر ولا بد في هذه الأماكن كان مكيا أو لم يكن وكان من أهل الموضع أو لم يكن ومن قائل لا يقصر إلا إن كان مسافرا فمن راعى السفر أراد أن يناجي الحق تعالى في هذه الصلاة في مقام الوحدانية فيجعل للحق الركعة التي يناجيه منها من حيث أحديته ويجعل لنفسه الركعة الثانية التي يناجيه فيها من حيث أحدية العبد التي بها عرف أحدية الحق في يوم عرفة لتعدي هذا الفعل إلى أمر واحد ومن راعى الإتمام جعل للحق ركعتين الواحدة من حيث ذاته تعالى والثانية من حيث ما هو معلوم لنا بنسبة خاصة تقضي بأن يوصف بأنه معلوم لنا إذ قد كان غير موصوف بأنه معلوم إذ لم يكن لنا وجود في أعياننا فلم يكن ثم من يطلب منه أن يعرفه ويجعل الركعتين الآخريين الواحدة منها لذات العبد من حيث عينه والركعة الثانية من حيث إمكانه الذي يعطيه الإفتقار إلى مرجحه في انتسابه إليه وهذه معرفة لدليل والمشاهدة فإنها دليل أيضا فإن المشاهدة طريق موصلة إلى العلم بالمشهود والفكر طريق موصل إلى العلم بالله أيضا من حيث استقلال العقل به وإن لم يشهد فهذا سر الإتمام في الصلاة والقصر لما يعطيه مكان عرفة من المعرفة بالله في الصلاة بهذا المكان .
وصل في فصل الجمعة بعرفة
اختلف العلماء في وجوب الجمعة ومتى تجب فقيل لا تجب الجمعة بعرفة وقال آخرون ممن قال بهذا القول إنه اشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أجل عرفة أربعون رجلا ومن قائل إذا كان أمير الحاج ممن لا يفارق الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيهما الجمعة إذا صادفها وقال قوم إذا كان والي مكة يجمع بهم والذي أقول به أنه يجمع بهم سواء كان مسافرا أو مقيما وكثيرين أو قليلين مما ينطلق عليهم في اللسان اسم جماعة واقعة وقعت لنا في ليلة كتابتي هذا الوجه وهي مناسة لهذا الباب كنت أرى فيما يراه النائم شخصا من الملائكة قد ناولني قطعة من أرض متراصة الأجزاء ما لها غبار في عرض شبر وطول شبر وعمق لا نهاية له فعندما تحصل في يدي أجدها قوله تعالى ' وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ' إلى قوله ' واشكروا لي ولا تكفرون ' فكنت أتعجب ما كنت أقدر أن أنكر أنها عين هذه الآيات ولا أنكر أنها قطعة أرض وقيل لي هكذا أنزل القرآن أو أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم فكنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول لي هكذا أنزلت علي فخذها ذوقا وهكذا هو الأمر فهل تقدر على إنكار ما تجده من ذلك قلت لا فكنت أحار في الأمر حتى قلت لغلبة الحال علي في ذلك .
ماثم إلا حيرة عمت . . . كلي وبعضي وهي من جملتي
والله ما ثم حديث سوى . . . هذا الذي قد شهدت مقلتي
فما أرى غيري وما هو أنا . . . وذاك مجلاه وذي كلتي
فقلت هذا كشف مطابق للجمعة التي جاء بها جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة مرآة مجلوة وفيها نكتة وقال له يا رسول الله هذه الجمعة وهذه النكتة الساعة التي فيها والحديث مشهور فانظر ما أعجب الأمور الإلهية وتجليها في القوالب الحسية وهذا دليل على ارتباط الأمر بيننا وبين الحق .
فالحل حق والكل خلق . . . وكل ما تشهدون حق
يحوي على الأمر من قريب . . . وماله في اللسان نطق
صفحه ۸۴۹