559

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

طواف القدوم يقابل طواف الوداع فهو كالاسم الأول والآخر ' إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ' وانتهت دورة الملك وطواف الإفاضة ' بينهما برزخ لايبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان ' يخرج طواف القدوم لؤلؤ المعارف في المناسك وطواف الوداع المرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان فلطواف الزيارة وجه إلى طواف القدوم فقد يجزيء عنه ووجه إلى طواف الوداع فقد يجزيء عنه وقد قال العلماء بالقولين جميعا وسيأتي ذكرها في الفصل إن شاء الله وقد تقدم الاعتبار في الطواف وما ينشأ منه فطواف القادم كالعقل إذا أقبل على الله بالاستفادة وطواف الوداع إذا أراد الخروج إلى النفس بالإفادة كالرسول صلى الله عليه وسلم يقبل على الروح الأمين عندما يلقي إليه من الوحي الإلهي ثم الرسول يلقي إلى الخلق عند مفارقه الروح لتبليغ الرسالة فالرسول بين طواف قدوم ووداع وما بينهما طواف زيارة وكانت ثلاثة أطواف لما قررناه أن ظهور العلوم لا يكون إلا عن ثلاث مراتب فكرية كانت أو وهبية وقد بينا لك أن البرزخ أبدا هو أقوى في الحكم لجمعه بين الطرفين فيتصور بأي صورة شاء ويقوم في حكم أي طرف أراد ويجزيء عنهما فله الاقتدار التام ويظهر سر ما قلنا في حكم ظاهر الشرع فيه فمن ذلك أنهم أجمعوا على أن الواجب من هذه الأطواف الثلاثة الذي بفونه يفوت الحج هو طواف الإفاضة فإن المعرف إذا قدم مكة بعد الرمي وطواف الإفاضة اجزأه عن طواف القدوم وصح حجه وأن المودع إذا طاف في زعمه طواف الوداع ولم يكن طاف طواف الإفاضة كان ذلك الطواف طواف إفاضة اجزأ عن طواف الوداع لأنه طواف بالبيت معمول به في وقت طواف الوجوب الذي هو الإفاضة فقبله الله طواف إفاضة وأجزأ عن طواف الوداع كما ذكرنا فيمن صام في رمضان متطوعا أن وجوب رمضان يرده واجبا لحكم الوقت ولم تؤثر فيه النية وجمهور العلماء على أنه لا يجزيء طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة كأنهم رأو أن الواجب إنما هو طواف واحد قال بعضهم اجمعوا على أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلا لخائف فوات الحج فإنه يجزيء عنه طواف الإفاضة واستحب بعض العلماء لمن جعل طواف الإفاضة يجزيء عن طواف القدوم أن يرمل فيه وأما المكي فما عليه سوى طواف واحد وأما المتمتع فإن لم يكن قارنا فعليه طوافان وإن كان قارنا فطواف واحد هذا عندي وقال قوم على القارن طوافان انتهى الجزء السابع والستون .

بسم الله الرحمن الرحيم

وصل في فصل حكم السعي

فمن قائل أنه واجب إن لم يسع كان عليه الحج ومن قائل أنه سنة فإن رجع إلى بلده ولم يسع فعليه دم ومن قائل أنه تطوع ولا شيء على تاركه لما كان الكمال غير محجور على النساء وإن كانت المرأة أنقص درجة من الرجل فتلك درجة الإيجاد لأنها وجدت عنه وذلك لا يقدح في الكمال فإن الرجل الذي هو آدم نسبته إلى ما خلق منه وهو التراب نسبة حواء إليه ولم تمنع هذه النسبة الترابية لآدم عن الكمال الذي شهد له به وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكمال لمريم وآسية فلما اعتبر الله هذا في المرأة جعل لها أصلا في التشريع من حيث لم تقصد فطافت بين الصفا والمروة هاجر أم إسماعيل عليه السلام وهرولت في بطن الوادي سبع مرات تنظر إلى من يقبل من أجل الماء لعطش قام بابنها اسماعيل فخافت عليه من الهلاك والحديث مشهور جعلها الله أعني جعل فعل هاجر من السعي بين الصفا والمروة وقرره شرعا من مناسك الحج فيمن رآه واجبا عظم فيه الحرمة ولم ير أنه يصح الحج بتركه كذلك الخواطر النفسية إذا أثرت الشفقة والسعي في حق الغير أثر القول في الجناب الإلهي فقال ' يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ' الذي خرجت منه إلى تدبير هذا البدن بالنفخ الإلهي لأن الرجوع لا يكون إلا لحال خرج منه وإلا فما هو رجوع فإنه ما قال لها اقبلي وإنما قال لها ارجعي ولا يكون الأمر إلا كذلك فرجعوها كمالها لما قال الله تعالى ' يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ' فوجب السعي ونداء الحق بالواسطة فكيف وقد نادى الحق عباده في كتابه المنزل علينا فقال ' ولله على الناس حج البيت ' فوجب السعي غير أن الشريعة التي شرع الله في السعي إلى الجمعة أن يكون بالسكينة والوقار كالسعي في الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة بالسكينة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للناس لما رآهم ' أسرعوا في الإفاضة من عرفات التي هي موقف حصول المعرفة بالله ' فلما أفاضوا عن أمره إلى المزدلفة وهو مقام القربة والاجتماع بالمعروف فيها وهو تجل خاص منه لقلوب عباده ولهذا سميت جمعا ومزدلفة من الزلفى وهو القرب فقال لهم رسول الله السكينة السكينة كما قال في السعي إلى الجمعة لا تأتونا وأنتم تسعون أي مسرعون في السعي وائتوها وعليكم السكينة في سعيكم والوقار فاجتمعت الجمعة وجمع في هذه الحقيقة الجمعية به تعالى في المقامين وقوله والوقار سعى في سكون ونهد مشي المثقل لأنه من الوقر وهو الثقل فإن المعرفة بالله تعطي ذلك فإنه من عرفه شاهده ومن شاهده لم يغب فإذا ادعاه من مقام إلى مقام فهو لا يسرع إلا من أجله وهو مشاهد له فإنه به يسعى فيمشي على ترسل مشي المثقل فهذا معنى الوقار فإنه لا يكون السكون في الأشياء إلا عن هيبة وتعظيم لا عن إعياء وتعب فإن السعي بالله لا تعب فيه ولا نصب .

وصل في فصل صفة السعي

صفحه ۸۴۳