فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فمن قائل بإجازة الطواف بعد صلاة الصبح والعصر وبه أقول وسبب ذلك أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وقد استقبل الكعبة وهو يقول يا مالكي أو قال يا ساكني الشك مني هذا البيت لا تمنعوا أحدا طاف به وصلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار فإن الله يخلق له من صلاته ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة فمن ذلك الوقت قلت بإجازة الطواف في هذين الوقتين وكنت قبل هذه الرؤيا عندي في ذلك وقفة فإن حديث النسائي الذي يشبهه حديثنا رأيتهم قد توقفوا في الأخذ به فلما رأيت هذه المبشرة ارتفع عني الإشكال وثبت به عندي حديث النسائي وحديث أبي ذر الغفاري والحمد لله ومن قائل بالمنع وقت الطلوع ووقت الغروب خاصة ومن قائل بالكراهة بعد العصر والصبح ومنعه عند الطلوع والغروب ومن قائل بإباحته في الأوقات كلها وهو قولنا إلا أني أكره الدخول في الصلاة حال الطلوع وحال الغروب إلا أن يكون قد أحرم بها قبل حال الطلوع والغروب تحرير ذلك لا يخلو المصلي أن يكون قبلته موضع طلوع الشمس أو غروبها بحيث أن يستقبلها فهنالك أكره له ذلك وأما إذا لم يكن في قبلته فلا بأس وأما عند الكعبة فالحكم له يدور من حيث شاء لا يستقبل الشمس طالعة ولا غاربة وقد فارق الكفار الذين يسجدون لها في الصورة الظاهرة في استقبالها وهو مفارق لهم في الباطن بلا شك ولا ريب سياق الحديثين حديث النسائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار وما خص حال طلوع ولا حال غروب لأن العبد بشهود البيت متمكن أن لا يقصد استقبال مغرب ولا مشرق وليس كذلك في الآفاق وما أحسن تحريه صلى الله عليه وسلم في المصلى إلى السترة أن لا يصمد إليها صمدا وليمل بها يمينا أو شمالا قليلا حديث أبي ذلك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة ' وهذه الأحاديث تعضد رؤيانا واعلم أن الله متجل على الدوام لا تقيد تجليه الأوقات والحجب إنما ترفع عن أبصارنا قال تعالى ' فكشفنا عنك غطااءك ' وقال ' ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ' يعني المحتضر قال إبراهيم الخليل لا أحب الآفلين وهو يحب الله بلا شك فالله ليس بآفل فتجليه دائم وتدليه لازم والذي بين ذا وذا إنك اليوم نائم فلا مانع لمن كان الحق مشهده ولهذا لم يمنع في تلك الحالة من ذكر الله والجلوس بين يديه لانتظار الصلاة والدعاء فيه وإنما منع السجود خاصة لكون الكفار يسجدون لها في ذلك الوقت وهنا تنبيه على سر معقول وهو أنه من المحال أن يكون أثر الكفر أقوى من أثر الإيمان عندنا وعندهم حتى يمنع من ظهوره وحكمه كما يظهر في هذا الأمر من كون سجود الكفار للشمس وهو كفر منع المؤمن من السجود لله والمانع إبداله القوة والعم أن الأمر في ذلك خفي أخفاه الله إلا عن العارفين فإن الله بهذا المنع أبقى على الكار بعض حق إلهي بذلك القدر وقع المنع وظهرت القوة في الحكم بمنعالمؤمن من السجود في ذلك الوقت لسجود الكفار للشمس وذلك أن الله يقول ' وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ' وكذلك فعلوا فإنهم ما عبدوا الشمس إلا لتخيلهم أنها إله فما سجدوا إلا لله لا لعين الشمس بل لعين حكمهم فيها أنها الله ولقد أضافني واحد من علمائهم فأخذت معه في عبادتهم الشمس وسجودهم لها فقال لي ما ثم إلا الله وهذه الشمس أقرب نسبة إلى الله لما جعل الله فيها من النور والمنافع فنحن نعظمها لما عظمها الله بما جعل لها ثم ثم نرجع ونقول فلما علم الحق أنهم ما عبدوا سواه وإن أخطؤا في النسبة والمؤمن لا يعبد إلا الله فأشبه الكافر في إيمانه بالله فكان الأمر مثل الشرع الإلهي ينسخ بعضه بعضا فما أثر الكفر هنا في الإيمان ولا كان أقوى منه بل لما كان الأمر كما ذكرنا فيما كان في الكافر من اعتقاده الإله كان ذا حق ومن نسبة الألوهة للشمس كان كافرا فراعى الحق المعنى الذي قصدوه فمن هنالك ثبت لهم التخصيص بالسجود دون المؤمنين والنسخ لسجود المؤمنين في ذلك الوقت لله فهو أثر إيمان في إيمان لا أثر كفر في إيمان .
وصل في فصل الطواف بغير طهارة
صفحه ۸۴۱