548

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

فإن العلماء ألزموه بالخروج إلى الحل ولا أعرف لهم حجة على ذلك أصلا واختلفوا إذا لم يخرج إلى الحل فقيل عليه دم وقيل لا يجزيه ووقفت على ما احتجوا به في ذلك فلم أره حجة فيما ذهبوا إليه والذي أذهب إليه في هذه المسئلة إن المكي يجوز له أن يحرم من بيته بالعمرة كما يحرم بالحج سواء ويفعل أفعال العمرة كلها من طواف وسعي وحلق أو تقصير ويحل ولا شيء عليه جملة واحدة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقت المواقيت لمن أراد الحج والعمرة ولم يفرق بين حج ولا عمرة قال ميقات أهل مكة من مكة وما يلزم من الأفعال في نسك العمرة فعل وما يلزم من نسك الحج فعل وما خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم قط الجمع بين الحل والحركم وإنما شرع ذلك للآفاقي لا للمكي فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر أخرج بعائشة إلى التنعيم من أجل أن تحرم بالعمرة مكان عمرتها التي رفضتها حين حاضت وعائشة آفاقية وهذا هو دليل العلماء فيما ذهبوا إليه وهو دليل في غاية الضعف لا يحتج بمثل هذا على المكي والأوجه في تمشية الحكمة في المكي أن لا يخرج إلى الحل إذا أحرم بالعمرة فإنه في حرم الله تعالى فهو في عبودية مشاهدة قد منعه الموطن أن يكون غير عبد ثم أكد تلك العبودية بالإحرام فهو إحرام في حرم تأكيد للعبودية وإجلال للربوبية فإذا خرج إلى الحل نقص عن هذه الدرجة والمطلوب الزيادة في الفضل ألا ترى الآفاقي لما خرج إلى الحل هناك أحرم فلم يكن المطلوب منه في خروجه أن يبقى على إحلاله ثم دخل في الحرم محرما فزاد فضلا على فضل فكان المطلوب الزيادة فالمكي في حرم الله أي موجود في عين القرب من الله بالمكان فلماذا يخرج والقرب بيته وموطنه حاشا الشارع أن يرى هذا وكذلك ما قاله ولا رآه ولا أمر به والآفاقي لما كان همه متعلقا بوطنه الخارج عن الحرم كان خروجه إلى الحل من أجل الإحرام بالعمرة كالعقوبة له لما كانت الهمة به متعلقة فإنه في نية المفارقة لحرم الله وطلب موطنه الخارج عنه فخرج من الأفضل إلى ما هو دونه وأين جار الله ممن ليس بجار له والله قد وصى بالجار حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' مازال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ' يعني يلحقه بالقرابة أصحاب السهام في الورث وكذلك في الحج واتفق من نسك الحج الوقوف بعرفة وعرفة في الحل وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما شرع الوقوف بعرفة إلا لكونها في الحل ولا بد للمحرم أن يجمع بين الحل والحرم ما تعرض الشارع إلى شيء من ذلك ولو كان مقصوده لأبان عنه وما ترك الناس في عماية بل بين صلى الله عليه وسلم في المواقيت ما ذكرناه فوصف المناسك وعينها وأحوالها وأماكنها وأزمانها فالله يلهمنا رشد أنفسنا ويجعلنا ممن اتبع وتأسى آمين بعزته والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

وصل في فصل متى يقطع الحاج التلبية

صفحه ۸۳۲