519

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

لا خلاف أن من شرط صحته الإسلام إذ لا يصح ممن ليس بمسلم الإسلام الانقياد إلى ما دعاك الحق إليه ظاهرا وباطنا على الصفة التي دعاك أن تكون عليها عند الإجابة فإن جئت بغير تلك الصفة التي قال لك تجيء بها فما أجبت دعاء الاسم الإلهي الذي دعاك ولا انقدت إليه وهنا علم دقيق وهل الدعوة كانت من الله على المجموع وهو عينك وعين الصفة أو المقصود من هذا الدعاء عين الصفة وأنت بحكم التبع لكون هذا الوصف الخاص لا يقوم بنفسه فما تكون أنت المطلوب ولا بد لك من اسم يكون لك من تلك الصفة يناديك به أو تكون أنت المدعو من حيث عينك والصفة تبع ما هي المقصود في الدعاء لأنها لم يذكر لها عين في هذا الدعاء الخاص فمن راعى من العارفين العين لا عين الصفة لكونه تعالى قال ' ولله على الناس ' وما قال على المسلمين ولا ذكر صفة زائدة على أعيانهم فأوجبها على الأعيان وجوبا إلهيا فإذا أتى بهذا الدعاء صاحب الاسم الذي هو الناس قيل فيه أنه قد أجاب إجابة ذاتية فيكون جزاء إجابته تجلي من دعاه ذاتا بذات ومن اعتبر أنه ما دعاه من حيث ما هو ذات وإنما دعاه من حيث ما هو متكلم فما أجاب هذا المدعو إلا عين الصفة لا عين الذات قيل له وكذلك المجيب المدعو ما أجاب منه إلا عين صفته فإن ذات المدعو من صفات من دعاه وهذه الصفة يعبر عنها بذات المدعو لأن المدعو مجموع صفات ذاتية له بمجموعها يكون إنسانا وهو كونه حيوانا ناطقا وليس عين هذا المجموع سوى عين ذاته ولهذا وقع الدعاء من الداعي بالاسم الجامع وهو الله فإن قيل لا يصح أن يكون حقيقة هذا الاسم الجامع وإنما يأتي والداعي به اسم خاص يخصصه حال المدعو ويعين الاسم الخاص به كالجائع يقول يا الله أطعمني فالله الذي دعا يعم المعطي والمانع فتتعذر الإجابة إذا قصد الداعي ما يدل عليه هذا الاسم وما قصد الداعي إلا المعطم المعطي الرزاق ما قصد المانع فإن أطعمه الله فما أجابه إلا المطعم كذلك قوله ' ولله على الناس حج البيت ' ليس المقصود بهذا الاسم عين ما يدل عليه فإن من مدلولاته أسماء إلهية تمنع من إجابة المكلف وأسماء تعطي إجابة المكلف فما دعاه من هذا الاسم إلا الاسم الذي يطلب إجابة المكلف المدعو ولهذا يعصي من لم يجب الدعاء بقرائن الأحوال ولو كان من حيث الاسم الله ما عصى ولا أطاع وتقابلت الأمور فلهذا لا يتصور أن يدعو أحد الله من حيث حقيقة هذا الاسم ولا يدعو هذا الاسم الله أحدا من حيث حقيقته وإنما يدعو ويدعى منه من حيث اسم خاص يتضمنه يعرف بالحال فاعلم أن الذات من الجانبين لا يصح أن تكون مطلوبة لأنها موجودة وإنما متعلق الطلب المعدوم ليوجد فما يدعى إلا المعدوم لأن الدعاء طلب والطلب عين الإرادة والإرادة لا تتعلق إلا بالمعدوم قلنا وكذلك وقع فإنه ما ظهر من هذا المدعو إلا الإجابة وكانت معدومة مع كون ذات المدعو لما يدعى إليه موجودة فظهرت الإجابة من المدعو بعد أن لم تكن لأن الإجابة لا تكون إلا بعد دعاء داع وهذا المدعو المعدوم الثابت لا يصح وجوده من ذات المدعو وإنما يصح في ذات المدعو إذا كان المدعو من العالم فيفتقر إلى أن يقول له الداعي كن فحينئذ يكون المدعو إجابة لأمره في ذات هذا المتوجه عليه الخطاب فما إجابته ذات المدعو فيما يظهر وإنما وقعت الإجابة من الصفة التي ظهرت فيه فيخيل أن الذات التي ظهرت فيها ذات هذا المدعو هو المخاطب بالتكوين وليس كذلك وهكذا هو الوجود الإلهي والكوني في نفس الأمر وإن كان الظاهر يعطي غير هذا فما في الكون إلا مسلم لغة لأنه ما ثم إلا منقاد للأمر الإلهي لأنه ما ثم من قيل له كن فأبى يل يكون من غير تثبط ولا يصح إلا ذلك فإذا وقع الحج ممن وقع من الناس ما وقع إلا من مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام أسلمت على ما أسلفت من خير ولم يكن مشروعا من جانب الله له ذلك في حال الجاهلية وقبل بعثة الرسول فاعتبره له الله سبحانه لحكم الإنقياد الأصلي الذي تعطيه حقيقة الممكن وهو الإسلام العام فمن اعتبر المجموع وجد ومن اعتبر عين الصفة وجد ومن اعتبر الذات وجد ولكل واحد شرب معلوم من علم خاص فإنه يدخل فيه هذا الإسلام الخاص المعروف في العرف الحاكم في الظاهر والباطن معا فإن حكم في الظاهر لا في الباطن كالمنافق الذي أسلم للتقية حتى يعصم ظاهره في اعلدنيا فهذا ما فعل من الأمور الخيرية التي دعى إليها لخيريتها فماله أجر والذي فعلها وهو مشرك لخيريتها نفعته بالخير المنوي فلا بد أن ينقاد الباطن والظاهر وبالمجموع تحصل الفائدة مكملة لأن الداعي دعاه بالاسم الجامع والمدعو دعى من الاسم الجامع لصفة جامعة وهو الحج والحج لا يكون إلا بتكرار القصد فهو جمع في المعنى فما في الكون إلا مسلم فوجب الحج على كل مسلم فلهذا لم يتصور فيه خلاف بين علماء الرسوم وعلماء الحقائق وعالم الحقائق أتم من عالم الرسم في هذه المسئلة وأمثالها فإن حج الطفل الرضيع صح حجه ولا تلفظ له بالإسلام ولا يعرف نية الحج ولو مات عندنا قبل البلوغ كتب الله له الحجة عن فريضته ولنا في ذلك خبر نبوي في الصبي قبل البلوغ والعبد فللصبي الرضيع الإسلام العام الذي يثبته المحقق وقد اعتبره الشرع رفعت امرأة صبيا لها صغيرا فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال لها نعم ولك أجر فنسب الحج لمن لا قصد له فيه فلو لم يكن لذلك الرضيع قصد بوجه ما عرفه الشارع صاحب الكشف ما صح أن ينسب الحج إليه وكان ذلك كذبا كانت امرأة ترضع صغيرا لها فمر رجل ذو شارة حسنة وخول وحشمة فقالت المرأة اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الرضيع الثدي ونظر إليه وقال اللهم لا تجعلني مثله ومرت عليها امرأة وهي تضرب والناس يقولون فيها زنت وسرقت فقالت المرأة اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك الصغير الثدي ونظر إليها وقال اللهم اجعلني مثلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل كان جبارا متكبرا وقال في المرأة كانت بريئة مما نسب إليها واتفق لي مع بنت كانت لي ترضع يكون عمرها دون السنة فقلت لها يا بنية فأصغت إلي ما تقول في رجل جامع امرأته فلم ينزل ما يجب عليه فقالت يجب عليه الغسل فغشي على جدتها من نطقها هذا شهدته بنفسي وكذلك زكاة الفطر على الرضيع والجنين .

وصل في فصل حج الطفل

صفحه ۸۰۰