فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فإنه قال له أعتق ثم قال له صم ثم قال له أطعم فلا يدري أقصد عليه السلام الترتيب أم لا فقيل إنها على الترتيب أولها العتق فإن لم يجد فالصوم فإن لم يستطع فالإطعام وقيل هي على التخيير ومنهم من استحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام ويتصور هنا ترجيح بعض هذه الأقسام على بعض بحسب حال المكلف أو مقصود الشارع فمن رأى أنه يقد التغليظ وأن الكفارة عقوبة فإن كان صاحب الواقعة غنيا أو ملكا خوطب بالصيام فإنه أشق عليه وأردع فإن المقصود بالحدود والعقوبات إنما هو الزجر وإن كان متوسط الحال في المال ويتضرر بالإخراج أكثر مما يشق عليه الصوم أمر بالعتق أو الإطعام وإن كان الصوم عليه أشق أمر بالصوم ومن رأى أن الذي ينبغي أن يقدم في ذلك ما يرفع الحرج فإنه تعالى يقول وما جعل عليكم في الدين من حرج فيكلف من الكفارة ما هو أهون عليه وبه أقول في الفتيا وإن لم أعمل به في حق نفسي لو وقع مني إلا إن لا أستطيع فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا وكذلك فعل فإنه قال إن مع العسر يسرا ثم إن مع العسر يسرا فأتى بعسر واحد ويسرين معه فلا يكون الحق يراعى اليسر في الدين ورفع الحرج ويفتى المفتى بخلاف ذلك فإن كون الحدود وضعت للزجر ما فيه نص من الله ولا رسوله وإنما يقتضيه النظر الفكري فقد يصيب في ذلك وقد يخطىء ولا سيما وقد رأينا خفيف الحد في أشد الجنايات ضررا في العالم فلو أريد الزجر لكانت العقوبة أشد فيها وبعض الكبائر ما شرع فيها حدا ولاسيما والشرع في بعض الحدود في الكبائر التي لا تقام إلا بطلب المخلوق وإن أسقط ذلك سقطت والضرر بإسقاط الحد في مثله أظهر كولي المقتول إذا عفا وليس للإمام أن يقتله وأمثال هذا من الخفة والإسقاط فيضعف قول من يقول وضعت الحدود للزجر ولو شرعنا نتكلم في سبب وضع الحدود وإسقاطها في أماكن وتخفيفها في أماكن وتشديدها في أماكن أظهرنا في ذلك أسرارا عظيمة لأنها تختلف باختلاف الأحوال التي شرعت فيها والكلام فيها يطول وفيها إشكالات مثل السارق والقاتل وإتلاف النفس أشد من إتلاف المال وإن عفا ولي المقتول لا يقتل قاتله وإن عقارب المال المسروق أو وجد عند السارق عين المال فرد على ربه ومع هذا فلابد أن تقطع يده على كل حال وليس للحاكم أن يترك ذلك ومن هنا تعرف أن حق الله في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها بخلاف ما تعتقده الفقهاء قال صلى الله عليه وسلم حق الله أحق أن يقضى الاعتبار الترتيب في الكفارة أولى من التخيير فإن الحكمة تقتضي الترتيب والله حكيم والتخيير في بعض الأشياء أولى من الترتيب لما اقتضته الحكمة والعبد في الترتيب عبد اضطرار كعبودة الفرائض والعبد في التخيير عبد اختيار كعبودة النوافل وفيها رائحة من عبودية الاضطرار وبين عبادة النوافل وعبادة الفرائض في التقريب الإلهي بون بعيد في علو المرتبة فإن الله جعل القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل وإن ذلك أحب إليه ولهذا جعل في النوافل فرائض وأمرنا أن لا نبطل أعمالنا وإن كان العمل نافلة لمراعاة عبودية الاضطرار على عبودية الاختيار لأن ظهور سلطان الربوبية فيها أجلى ودلالتها عليها أعظم .
وصل في فصل الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها فيما أراد منها من
الجماع
فمن قائل عليها الكفارة ومن قائل لا كفارة عليها وبه أقول فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي ما ذكر المرأة ولا تعرض إليها ولا سأل عن ذلك ولا ينبغي لنا أن نشرع ما لم يأذن به الله الاعتبار النفس قابلة للفجور والتقوى بذاتها فهي بحكم غيرها بالذات فلا تقدر تنفصل عن التحكم فيها فلا عقوبة عليها والهوى والعقل هما المتحكمان فيها فالعق يدعوها إلى النجاة والهوى يدعوها إلى النار فمن رأى أنه لا حكم لها فيما دعيت إليه قال لا كفارة عليها ومن رأى أن التخيير لها في القبول وإن حكم كل واحد منهما ما ظهر له حكم إلا بقبولها إذ كان لها المنع مما دعيت إليه والقبول فلما رجحت أثيبت إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر فقيل عليها الكفارة .
وصل في فصل تكرر الكفارة لتكرر الإفطار
صفحه ۷۴۶