فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
والاتفاق أيضا من علماء الشريعة على الزكاة فيها الاعتبار في ذلك يقول الله سبحانه في نفس الإنسان قد أفلح من زكاها يعني النفس ولما كانت المناسبة بين البقر والإنسان قوية عظيمة السلطان لذلك حي بها الميت لما ضرب ببعض البقر فجاء بالضرب إشارة إلى الصفة القهرية لما شمخت نفس الإنسان أن تكون سبب حياته بقرة ولاسيما وقد ذبحت وزالت حياتها فحيي بحياتها هذا الإنسان المضروب ببعضها وكان قد أبى لما عرضت عليه فضرب ببعضها فحيي بصفة قهرية للأنفة التي جبل الله الإنسان عليها وفعل الله ذلك ليعرفه أن الاشتراك بينه وبين الحيوان في الحيوانية محقق بالحد والحقيقة ولهذا هو كل حيوان جسم متغذ حساس فالإنسان وغيره من الحيوان وانفصل كل نوع من الحيوان عن غيره بفصله المقوم لذاته الذي به سمي هذا إنسانا وهذا بقرا وهذا غنما وغير ذلك من الأنواع وما أبى الإنسان إلا من حيث فصله المقوم وتخيل أن حيوانيته مثل فصله المقوم فأعلمه الله بما وقع أن الحيوانية في الحيوان كله حقيقة واحدة فأفاده ما لم يكن عنده وكذلك ذلك الميت ما حيي إلا حبياة حيوانية لا بحياة إنسانية من حيث أنه ناطق وكان كلام ذلك الميت مثل كلام البقرة في بني إسرائيل قال الصحابة تعجبا لبقرة تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت بهذا وما رأوا أن الله قد قال ما هو أعجب من هذا إن الجلود قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهنا علم غامض لمن كشف الله عن بصيرته فوجبت الزكاة في البقر كما ظهرت في النفس ثم مناسبة البرزخ بين البقر والإنسان فإن البقر بين الإبل والغنم في الحيوان المزكي والإنسان بين الملك والحيوان ثم البقرة التي ظهر الأحياء بموتها والضرب بها برزخية أيضا في سنها ولونها فهي لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فهذا مقام برزخي فهي لا بيضاء ولا سوداء بل صفراء والصفرة لون برزخي بين البياض والسواد فتحقق ما أومأنا إليه في هذا الاعتبار فإنه يحتوي على معان جليلة وأسرار لا يعرفها إلا أهل النظر والاستبصار .
وصل في فضل الحبوب والتمر
فقد عرفت أيضا ما تجب الزكاة فيه من ذلك بالاتفاق الاعتبار في ذلك النفس النباتية وهي التي تنمى بالغذاء فزكاتها في الإنسان بالصوم ولكن له شرط في طريق الله وهو أن الصائم إنما يمسك عن الأكل بالنهار فليأخذ ما كان يستحق أن يأكل بالنهار ويتصدق به ليخرج بذلك من البخل فإذا لم يفعل ذلك عندنا واستوفى في عشائه ما فاته بالنهار فما أمسك وبهذا ينفصل صوم خواص أهل الله عن صوم العامة وما تسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة بالعامة حتى يجدوا ما يتأسوا به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ' من كان مواصلا فليواصل حتى السحر ' مع أنه رغب في تعجيل الفطر وتأخير السحور قال تعالى ' وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ' وهذا الاعتبار فيما يزكى من الحبوب وبالله التوفي وصل وأما التمر فهو أيضا كما قلنا الزكاة فيه بالاتفاق وقد تقدم ذلك وأما اعتبار التمر في الزكاة فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل النخلة عمة لنا وشبهها بالمؤمن حين سأل الناس عنها ووقع الناس في شجر البوادي ووقع عند عبد الله بن عمر أنها النخلة أصاب ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا الحديث يحتج على إباحة الحزورات التي تستعملها الناس فكما أن التمر تجب فيه الزكاة شرعا كذلك المؤمن لما شارك الحق في هذا الاسم تعين للحق فيه حق كما تعين في جميع الأسماء الحسنى يسمى ذلك الحق زكاة فيزكي المؤمن هذه النسبة إليه بالصدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله وإعطاء الأمان منه لكل خائف من جهته فإذا صدق في ذلك كله صدقه الله تعالى لأنه لا يصدق سبحانه إلا الصادق ولا يصدقه تعالى إلا من اسصمه المؤمن لا غير فصدق العبد رد لاسم الله المؤمن عليه كرد صورة الناظر في المرآة على الناظر ليصدقه سبحانه فيما صدق فيه هذا العبد فهذا زكاته من نسبة الإيمان إليه فأعطى حق الله من إيمانه بما صدق فيه من أقواله وأفعاله وأحواله وتمت أصناف ما يزكى من الأموال المتفق عليها ويلحق بها ما اختلف فيه فإنه لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه نباتا أو حيوانا أو معدنا وقد بينا ذلك في المتفق عليه فليحكم في المختلف فيه بذلك الحكم وليعتبر فيه ما يليق بذلك الصنف حتى لا يطول الكلام ومذهبنا في هذا الكتاب الاقتصار والاختصار جهد الطاقة فإن الكتاب كبير يحتوي على ما لا بد منه في طريق الله من الأمهات والأصول فإن الأبناء والفروع تكاد لا تنحصر بل لا تنحصر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
وصل في فصل الخرص
صفحه ۷۲۰