فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فيمن أولى بالإمامة $ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' يؤم القوم أقرأهم للكتاب ' فقالت طائفة أفقههم لا أقرأهم فهذه مسئلة خلاف بين أصحاب هذا القول وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني سألت القائلين بهذا المذهب هل بلغكم هذا الحديث فاعترفوا فقالوا رويناه وعلمناه وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول ولا حجة للقائلين بخلاف ما قاله ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ففرق بين الفقيه والقارىء وأعطى الإمامة للقارىء ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما أولى بالإمامة من الآخر فوجب تقديم العالم الأعلم بالسنة وهو الأفقه ثم قال عليه السلام فإن كانوا في العلم بالسنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وهو حديث متفق على صحته وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح الذي يعول عليه وأما تأويل المخالف للنص بأن الأقرأ كان في ذلك الزمان الأفقه فقد رد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم فأعلمهم بالسنة واعلم أن كلام الله لا ينبغي أن يقدم عليه شيء أصلا بوجه من الوجوه فإن الخاص إن تقدمه من هو دونه فليس بخاص وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته وهم الذين يقرؤن حروفه من عجم وعرب وقد صحت لهم الأهلية الإلهية والخصوصية فإذا انضاف إلى ذلك المعرفة بمعانيه فهو فضل في الأهلية والخصوصية لا من حيث القرآن بل من حيث العلم بمعانيه فإن انضاف إلى ذينك إلى حفظه والعلم بمعانيه العمل به فنور على نور على نور فالقارىء مالك البستان والعالم كالعارف بأنواع فواكه البستان وتطعيمه ومنافع فواكهه والعامل كالآكل من البستان فمن حفظ القرآن وعلمه وعمل به كان كصاحب البستان علم ما في بستانه وما يصلحه وما يفسده وأكل منه ومثل العالم العامل الذي لا يحفظ القرآن كمثل العالم بأنواع الفواكه وتطعيماتها وغراستها والآكل الفاكهة من بستان غيره ومثل العامل كمثل الآكل من بستان غيره فصاحب البستان أفضل الجماعة الذين لا بستان لهم فإن الباقي يفتقرون إليه وصل في اعتبار ذلك الأحق بالإمامة من كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه وسائر قواه فإن كانوا في هذه الحالة سواء فاعلمهم بما تستحقه الربوبية فإن كانوا في العلم بذلك سواء فاعرفهم بالعبودية ولوازمها وليس وراء معرفة العبودية حال يرتضي ليقوم مقامه أو يكون فوقه لأنهم لذلك خلقوا قال تعالى ' وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون والإمامة على الحقيقة إنما هي لله الحق تعالى جل جلاله وأصحاب هذه الأحوال إنما هم نوابه وخلفاؤه ولهذا وصفهم بصفاته بل جعل عينه عين صفاتهم فهو الإمام لا هم قال تعالى ' إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ' وقال تعالى ' من يطع الرسول فقد أطاع الله ' وقال ' وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم أي أصحاب الأمر وأصحاب الأمر على الحقيقة هم الذين لا يقف لأمرهم شيء لأنهم بالله يأمرون كما به يسمعون كما به يبصرون فإذا قالوا لشيء كن فإنه يكون لأنهم به يتكلمون فهذا معنى وأولي الأمر منكم في الاعتبار ولهذا كانت طاعة السلطان واجبة فإن السلطان بمنزلة أمر الله المشروع من أطاعه نجا ومن عصاه هلك .
فصل بل وصل في إمامة الصبي غير البالغ
إذا كان قارئا اختلفوا في إمامة الصبي غير البالغ إذا كان قارئا فأجاز ذلك قوم مطلقا ومنع من ذلك قوم مطلقا وأجازه قوم في النفل دون الفريضة اعتبار الأمر في ذلك يقال صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه لما كان الصبي يميل إلى حكم الطبيعة ونيل أغراضه سمي صبيا أي مائلا إلى شهواته وهو غير البالغ حد العقل الذي يوجب التكليف وكانت الطبيعة في الرتبة دون العقل فلم يصح لها التقدم ولا لمن مال إليها وإن كان مائلا إليها بحق فإن لها مقام التأخر فلا بد أن يتأخر والمتأخر لا يكون إماما مقدما فإنه نقيض حكم ما هو فيه فمن راعى هذا الاعتبار لم يجز إمامة الصبي وإن كان قارئا ومن راعى كونه حاملا للقرآن جعل الإمامة للقرآن لا للصبي وكانت إمامة الصبي في حكم التبعية لأجل القرآن فأجاز إمامة الصبي قال تعالى ' وآتيناه الحكم صبيا ' يعني حكم الإمامة وقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وهو مقام الإمامة مع تسميته صبيا ومن جعل عبودية الصبي عبودية اختيار لسقوط التكليف عنه ورأى أن النافلة عبادة اختيار أجاز صلاة الصبي إماما في النفل دون الفرض للمناسبة في الاختيار .
صفحه ۵۴۷