298

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

بسم الله الرحمن الرحيم فنقول من ذلك تشهد عمر رضي الله عنه وهو التحيات لله الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أخذت به طائفة وأما تشهد عبد الله بن مسعود وهو التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخذ به الأكثر من الناس لثبوت نقله وأما تشهد ابن عباس وهو التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أخذت به طائفة وكلها أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون في حال قبض وهيبة وجلال عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن اسم نفسه في صلاته وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من الهيآت أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة وقوة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس وهو أكمل الأحوال فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات مقام جلال ومقام جمال ومقام كمال فيتشهد بلسان الكمال وهو الأول للسالك فيقول التحيات لله أي تحيات كل محي ومحي بها في جميع العالم والنسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوته من الحقائق الإلهية كلها إلى الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في كمال صلاته وقوله الزاكيات لله يقول التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها ثم يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بالألف واللام التي للجنس لا التي للعهد فيكون سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل من مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه مخاطبا مواجهة بالنبوة لم يسلم عليه بالرسالة فإن النبوة في حق ذات النبي أعم وأشرف فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول فعم وعرف ما ينبغي أن يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحضور وأنه به من غير حرف نداء يؤذن ببعد لما هو عليه من حال قربه ولهذا جاء بحرف الخطاب ثم عطف بعد السلام عليه بالرحمة الإلهية لشمولها الامتنان والوجوب فأضافها إلى الله لما رزقه صلى الله عليه وسلم من السلامة من كل ما يشنوه في مقامه ذلك وعطف بالبركات المضافة إلى الهوية والبركات هي الزيادة وقد أمر أن يقول رب زدني علما فكأن هذا المصلي في هذه التحيات يقول له سلام عليك ورحمته تقتضي الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله كما جاء بالزاكيات في التحيات فناسب بين الزكاة والبركة ولهذا جعل الله تعالى البركة في الزكاة التي هي الصدقات لارتباطها بها لأن الصدقة إخراج ما كان في اليد وهي الزكاة ولا تبقى في الوجود خلاء فيعوضه الله ويملأ يديه من الخير العلمي وغيره من الثواب المحسوس في دار الكرامة ما لا يقدر قدره في مقابلة ما أخرجه ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فسلم على نفسه بشمول السلام وأجناسه كما سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقول تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم والدخول في كل حال من أحوال الصلاة كالبيوت في الدار الجامعة تحية من عند الله مباركة طيبة فجعلك رسولا من عنده إلى نفسك بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد الخير الطيبة فإنها حصلت له ذوقا فاستطابها كما أنها طيبة الأعراف بسير أنها من نفس الرحمن وجاء بنون الجمع في قوله السلام علينا يؤذن أنه مبلغ سلامه لكل جزء فيه مما هو مخاطب بعبادة خاصة وإنما سلم عليهم لكونه جاء قادما من عند ربه لغيبته عن نفسه حين دعاه الحق إلى مناجاته فكبر تكبيرة الإحرام فمنعته هذه الحالة أن ينظر إلى غير من دعاه إليه فلهذا سلم على نفسه بنون الجماعة وذلك إذا كان هذا العبد قد دخل إلى بيت قلبه ونزه الحق أن يكون حالا فيه وإن وسعه كما قال الله لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته تعالى وبين خلقه ورأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى الله والحق لا يسلم عليه فإنه هو السلام وقد نهوا عن ذلك لأنهم كانوا يقولون السلام على الله في التشهد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام فلما دخل بيته ولم ير فيه أحدا أو نزه الحق أن يحوي عليه بيت قلبه فما بقي له أن يشهد سوى عالمه المكلف وليس سوى نفسه وقد أمره الله إذا دخل بيتا خاليا من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه لأنه قال تحية من عند الله مباركة كما جاء في سمع الله لمن حمده فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو عليه فدل على أنه تجل خاص ولابد فافهم إن أردت أن تكون من أهل هذا المقام في الصلاة ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام على عباد الله الصالحين فشمل بالألف واللام ليصيب سلامه كل عبد صالح لله في السموات والأرض ولا ينوي من الصالحين ما هو المعهود في العرف ما ثم إلا صالح فإن الله يقول وإن من شيء إلا يسبح بحمده فكل شيء ينزه ربه فهو إذن صالح هذا من علوم الإيمان والكشف فانو بالصالحين الذين استعملوا فيما صلحوا له وليس سوى التسبيح فإن الله أخبر عنهم أنهم بهذه الصفة فلم يبق كافر ولا مؤمن إلا وقد شملت تفاصيله هذه الآية ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يسمعون ولا يشهدون ولهذا لم يذكر لفظة السلام في هذا العطف واكتفى بالواو وتنبيها فإنه يدخل فيه من يستحق السلام عليه بطريق الوجوب ومن لا يستحق ذلك بطريق الوجوب فسر حتى لا يتميز المستحق من غير المستحق رحمة منه بعباده إنه هو الغفور الرحيم ولم يعطف السلام الذي سلم به على نفسه على السلام الذي سلم به على النبي صلى الله عليه وسلم بل جعله مبتدأ فإن النبوة أعني نبوة التشريع طور آخر متميز عن طور الاتباع فإنه لو عطف عليه لفظ السلام على نفسه لسلم على نفسه أيضا من جهة النبوة للواو الذي يعطي الاشتراك وباب النبوة قد سده كما سد باب الرسالة وأعني نبوة التشريع وما بقي بأيدينا إلا الوراثة إلى يوم القيامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي فعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين الرسل في هذا المقام فحصل له الأولية صلى الله عليه وسلم على التعيين وحصل له الآخرية صلى الله عليه وسلم لا على التعيين فدخل بالسلام الثاني بحرف العطف في عباد الله الصالحين فإنه من الصالحين بلا شك من كل وجه فهو في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأنا بالسلام علينا في طورنا من غير عطف واعلم أنه لم نقف على رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشهده الذي كان صلى الله عليه وسلم يتشهد به بلسانه في تشهده في الصلاة في قولنا السلام عليك أيها النبي هل كان يقوله بهذا اللفظ أو يقوله بغير هذا اللفظ مثل عيسى عليه السلام إذ قال والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا أو لا يقول شيئا من ذلك ويكتفي بقولنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن كان قال مثل ما علمنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق وهو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في سمع الله لمن حمده والوجه الآخر أن يقوم في دعائه في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوة ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضا من كونه صلى الله عليه وسلم نبيا ويحضره من أجل كاف الخطاب فيقول صلى الله عليه وسلم بلسانه للمقام الذي أحضره فيه أي أحضر نفسه فيه السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله فأما معنى الشهادة فقد تقدم في أول التشهد وهذا التوحيد هنا إنما هو توحيد ما يقتضيه عمل الصلاة عموما وما يقتضيه حال كل مصل في صلاته خصوصا فإن أحوال المصلين تختلف في الصلاة بلا شك من كل وجه من وجوه الأحكام ومن وجوه المقامات فإن صلاة المتوكل تخالف صلاة الزاهد ومن وجوه الأذواق فإن صلاة الراضي تخالف صلاة الشكور وصلاة الصاحي تخالف صلاة السكران في الطريق الذوقي فإن الصحو والسكر هو من علوم الأذواق ثم عطف الشهادة بالعبودية لله والرسالة على شهادة التوحيد ليعلم أنه من أطاع الرسول فقد أطاع الله فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى وما عليه إلا البلاغ والإبلاغ لا يكون إلا حال مبلغ من مبلغ عنه إلى مبلغ إليه وهو العطف بواو الاشتراك يؤذن بالقرب الإلهي من السيد بما فيه من العبودية لله وبالقرب من المرسل بما فيه من ذكر الرسالة المضافة إلى الهوية التي هي غيب لمن أرسلوا إليهم وللرسول من حيث أن الروح الأمين جاء بها إليه من عند ربه فهو أقرب سند أمنا إلى المرسل وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروح بربه لا بنفسه كما يتلقى العارفون ما يأتيهم من ربهم على ألسنة العالم وحركاتهم بربهم لا بأنفسهم فإنه من يرى ربه في نفسه يراه في غيره بلا شك كما يقول أهل الله في حال المتوكل من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره وإنما قلنا تلقاها بربه لا بنفسه إذ لو تلقى المتلقي أمر ربه ووحيه بنفسه دون ربه لاحترق في موضعه من سطوات أنوار الروح الأمين ألا تراه مع القوة الإلهية التي أيده الله بها كيف جاء إلى بيت خديجة ترجف بوادره يقول زملوني زملوني دثروني لاضطراب فيه من المحامد أي بها استحق العطف بحرف التشريك ثم قال عبد الله فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى الله وخلوص عبوديته لله ليس فيه شخص لكون من الأكوان ثم عطف بالرسالة على العبودية وعلى الله بالهوية فزاده في العبودية اختصاصين وهما النبوة والرسالة وذكر الرسالة دون النبوة لتضمنها إياها فلو ذكر النبوة وحدها كان يبقى علينا ذكر اختصاصه بالرسالة فيحتاج إلى ذكرها حتى نعلم بخصوص أوصافه ونفرق بينه وبين من ليس له منزلة الرسالة من عباد الله النبيين فهذا تشهد لسان الكمال التشهد بلسان الجمال وأما تشهد لسان الجمال فهو تشهد عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه وهو على هذا الحد إلا ما اختص به فما أذكره وهو أن يقول صاحب هذا المقام بلسانه والصلوات والطيبات فأتى بالصلوات لعموم ما تدل عليه في الرحموتيات والدعاء وأنواعه من الأحوال وكلها صلاة هو الذي يصلي عليكم وملائكته وعطف عليها الطيبات من باب عطف النعوت فهي نعت معطوف للصلوات وعليها ليطيب بها نفسا واختص أيضا في هذا التشهد بإضافة العبودية إلى الهوية لا إلى الله وهو مقام شريف في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أنه صلى الله عليه وسلم في حال نظره في ربه من حيث ما تستحقه ذاته التي لا يحاط بها علما بل لا تعرف أصلا بالصفة الثبوتية وليست سوى واحدة لا يصح أن تكون اثنتين لأن الفصل المقوم في حق ذاته يستحيل فلا مناسبة بين الله وبين خلقه فإنه من ليس كمثله شيء كيف يصح أن يشبه شيئا أو يشبهه شيء وهذا بخلاف اللسان الأول فإن الإضافة بالعبودية كانت إلى الله لا إلى الهوية وهو أن ينظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن ويليق وهو دون ما تشهد به ابن مسعود التشهد بلسان الجلال أما التشهد بلسان الجلال فزاد على ما احتوى عليه التشهدان أن نعت التحيات بالمباركات أي التحيات التي يكون معها البركات وأسقط الزاكيات وكذلك أسقطها ابن مسعود فإنهما راعيا الاشتراك في الزيادة وراعى عمر ما في الزكاة من لتقديس مع وجود الزيادة التي تشترك فيها مع البركة فاكتفى بالزاكيات لذلك وأنكر الزاكيات في التشهد جماعة من علماء الرسوم ممن لا علم له بعلوم الأذواق ومواقع اختلاف خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأت في هذا اللسان في نعت التحيات بحرف عطف وقال فيه سلام بالتنكير وهو تشهد ابن عباس وذلك أنه راعى خصوص حال كل مصل فإن أسماء الله مثل الممكنات لا نهاية لها وكل ممكن له خصوص وصف فله من الله اسم خاص به من ذلك الاسم خص بالوصف الذي يتميز به عن كل ممكن وهذا من أشرف علوم أهل الله وهو مذكور في قوله في دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك وأما أسماء الإحصاء فتسعة وتسعون مائة إلا واحد ولم يصح في تعيينها على الجملة نص ولا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هي هذه فما جاء ابن عباس بتنكير السلام إلا ليأخذ كل مصل من الاسم الذي يلقى إليه ويناجي الحق فيه وهو المسلم على نبي الله منا صلى الله عليه وسلم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين وكذلك اختص بعدم تكرار لفظ الشهادة فتركها فلم يشهد له بعبودية ولا رسالة بشهادة مستأنفة بل شهادته بالتوحيد أغنت واكتفى بالواو لما فيها من قوة الاشتراك وذلك مثل قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ولم يعطف بذكر الشهادة تشريفا لهم وإن كان قد فصلهم عن شهادته لنفسه بذكره لا إله إلا هو وأسقط هنا لفظ العبودية لتضمن الرسالة إياها

صفحه ۵۳۰