فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
اختلفت علماء الشريعة في وقتها في موضعين في أول وقتها وآخر وقتها فمن قائل إن أول وقتها مغيب حمرة الشففق وبه أقول ومن قائل إن أول وقتها مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة والشفق شفقان وهو سبب الخلاف فالشفق الأول صادق البياض الذي بعده هو الشفق الثاني تقع فيه الشبهة فإنه قد يشبه أن يكون شبه الفجر الكاذب الذي هو ذنب السرحان وهو المستطيل وجعله الشارع من الليل ولا يجوز بظهوره صلاة الصبح ولا يمنع مريد الصوم من الأكل ويشبه أن يكون شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره صلاة الصبح ولا يجوز للصائم أن يأكل بظهوره إلا أن الأظهر عندي أنه شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره الصبح وذلك لاتصاله بالحمرة إلى طلوع الشمس لا ينقطع بظلمة كما ينقطع الفجر الكاذب كذلك البياض الذي في أول الليل متصل بالحمرة فإذا غابت الحمرة بقي البياض فلو كانت بين البياض والحمرة ظلمة قليلة كما يكون بين الفجر المستطيل وحمرة أسفار الصبح كنا نلحقها بالفجر الكاذب ونلغي حكمها فكان والله أعلم أن الذي يراعي مغيب البياض في أول وقت العشاء أوجه ولكن إذا ثبت أن الشارع صلى في البياض بعد مغيب الشفق الأحمر فنقف عنده فللشارع أن يعتبر البياض والحمرة التي تكون في أول الليل بخلاف ما نعتبرها في آخر الليل وإن كان ذلك عن آثار الشمس في غروبها وطلوعها وأما قوله تعالى ' والصبح إذا تنفس ' فالأوجه عندي في تفسيره أنه الفجر المستطيل لانقطاعه كما ينقطع نفس المتنفس ثم بعد ذلك تتصل أنفاسه وأما آخر وقتها فمن قائل إنه ثلث الليل ومن قائل إنه إلى نصف الليل ومن قائل إنه إلى طلوع الفجر وبه أقول ولقد رأيت قولا ولا أدري من قاله ولا أين رأيته إن آخر وقت صلاة العشاء ما لم تنم ولو سهرت إلى طلوع الفجر الاعتبار في الباطن في ذلك الاعتبار في أول وقت هذه الصلاة وآخره اعلم أن العالم قد قسمه الحق على ثلاث مراتب وقسم الحق أوقات الصلوات على ثلاث مراتب فجعل عالم الشهادة وهو عالم الحس والظهور هو بمنزلة صلاة النهار فأناجي الحق بما يعطيه عالم الشهادة والحس من الدلالة عليه وما ينظر إليه من الأسماء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده يعني في الصلاة فناب العبد هنا مناب الحق وهذا من الاسم الظاهر فكان الحق ظهر بصورة هذا القائل سمع الله لمن حمده وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في حق الأعرابي فأجره حتى يسمع كلام الله وهو ما سمع إلا الأصوات والحروف من فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال الله إن ذلك كلامي وأضافه إلى نفسه فكان الحق ظهر في عالم الشهادة بصورة التالي لكلامه فافهم وجعل عالم الغيب وهو عالم العقل وهو بمنزلة صلاة العشاء وصلاة الليل من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر فيناجي المصلى ربه في تلك الصلاة بما يعطيه عالم الغيب والعقل والفكر من الأدلة والبراهين عليه سبحانه وتعالى وهو خصوص دلالة لخصوص معرفة يعرفها أهل الليل وهي صلاة المحبين أهل الأسرار وغوامض العلوم المكتنفين بالحجب فيعطيهم من العلوم ما يليق بهذا الوقت وفي هذا العالم وهو وقت معارج الأنبياء والرسل والأرواح البشرية لرؤية الآيات الإلهية المثالية والتقريب الروحاني وهو وقت نزول الحق من مقام الاستواء إلى السماء الأقرب إلينا للمستغفرين والتائبين والسائلين والداعين فهو وقت شريف ومن صلى هذه الصلاة في جماعة فكأنما قام نصف ليله وفي هذا الحديث رائحة لمن يقول إن آخر وقتها إلى نصف الليل وجعل سبحانه عالم التخيل والبرزخ الذي هو تنزل المعاني في الصور الحسية فليست من عالم الغيب لما لبسته من الصور الحسية وليست من عالم الشهادة لأنها معاني مجردة وإن ظهورها بتلك الصور أمر عارض عرض للمدرك لها لا للمعنى في نفسه كالعلم في صورة للبن والدين في صورة القيد والإيمان في صورة العروة وهو من أوقات الصلوات وقت المغرب ووقت صلاة الصبح فإنهما وقتان ما هما من الليل ولا من النهار فهما برزخان بينهما من الطرفين لكون زمان الليل والنهار دوريا ولهذا قال تعالى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل من كور العمامة فيخفي كل واحد منهما بظهور الآخر كما قال يغشى الليل النهار أي يغطيه وكذلك النهار يغشى الليل فيناجي المصلي ربه في هذا الوقت بما يعطيه عالم البرزخ من الدلالات على الله في التجليات وتنوعاتها والتحول في الصور كما ورد في الأخبار الصحاح غير أن برزخية صلاة المغرب هو خروج العبد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيمر بهذا البرزخ الوتري فيقف منه على أسرار قبول عالم الغيب لعالم الشهادة وهو بمنزلة الحس الذي يعطي للخيال صورة فيأخذها الخيال بقوة الفكر فيلحقها بالمعقولات لأن الخيال قد لطف صورتها التي كانت لها في الحس من الكثافة فتروحنت بوساطة هذا البرزخ وسببه وتر صلاة المغرب فإن الفعل للوتر فهو الذي لطف صورتها على الحقيقة ليقبلها عالم الغيب والعقل لأن العقل لا يقبل صور الكثيف والغيب لا يقبل الشهادة فلا بد أن يلطف البرزخ صورتها حتى يقبلها عالم الغيب وكذلك برزخ الفجر وهو خروج عالم الغيب إلى عالم الشهادة والحس فلا بد أن يمر ببرزخ الخيال وهو وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فما هو من عالم الغيب ولا من عالم الشهادة فيأخذ البرزخ الذي هو الخيال المعبر عنه بوقت الفجر إلى طلوع الشمس المعاني المجردة المعقولة التي لها الليل فيكثفها الخيال في برزخه فإذا كساها كثافة من تخيله بعد لطافتها حينئذ وقعت المناسبة بينها وبين عالم الحس فتظهر صورة كثيفة في الحس بعدما كانت صورة روحانية لطيفة غيبية فهذا من أثر البرزخ برد المعقول محسوسا في آخر الليل ويرد المحسوس معقولا في أول الليل مثاله أن لصورة الدار في العقل صورة لطيفة معقولة إذا نظر إليها الخيال صورها بقوته وفصلها وكثفها عن لطافتها في العقل ثم صرف الجوارح في بنائها بجمع اللبن والطين والجص وجميع ما تخيله البناء المهندس فأقامها في الحس صورة كثيفة يشهدها البصر بعدما كانت معقولة لطيفة تتشكل في أي صورة شاءت فزالت عنها في الحس تلك القوة بما حصل لها من التقييد فتلقى النهار كله مقيدة بتلك الصورة على قدر طول النهار فإن كان النهار لا انقضاء له كيوم الدار الآخرة فتكون الصورة لا ينتهي أمدها وإن كان النهار ينقضي كيوم الدنيا وأيامها متفاضلة فيوم من أربع وعشرين ساعة ويوم من شهر ويوم من سنة ويوم من ثلاثين سنة ودون ذلك وفوق ذلك فتبقى الصورة مقيدة بتلك المدة طول يومها وهو المعبر عنه بعمرها إلى الأجل المسمى إلى أن يجيء وقت المغرب فيلطف البرزخ صورتها وينقلها من عالم الحس ويؤديها إلى عالم العقل فترجع إلى لطافتها من حيث جاءت هكذا حركة هذا الدولاب الدائر فإن فهمت وعقلت هذه المعاني التي أوضحنا لك أسرارها علمت علم الدنيا وعلم الموت وعلم الآخرة والأزمنة المختصة بكل محل وأحكامها والله يفهمنا وإياك حكمه ويجعلنا ممن ثبت في معرفته قدمه فالليل ثلاثة أثلاث والإنسان ثلاثة عوالم عالم الحس وهو الثلث الأول وعالم خياله وهو الثاني وعالم معناه وهو الثلث الآخر من ليل نشأته وفيه ينزل الحق وهو قوله وسعني قلب عبدي وقوله إن الله لا ينظر إلى صوركم وهو الثلث الأول ولا إلى أعمالكم وهو الثلث الثاني ولكن ينظر إلى قلوبكم وهو الثلث الآخر فقد عم الليل كله فمن قال إن آخر الوقت الثلث الأول فباعتبار ثلث الحس ومن قال آخره إلى نصف الليل وهو وسط الثلث الثاني فباعتبار الثلث الثاني وهو عالم خياله لأنه محل العمل في التلطيف أو التكثيف ومن قال إلى طلوع الفجر فباعتبار عالم المعنى من الإنسان وكل قائل بحسب ما ظهر له وقد وقع الإجماع بطلوع الفجر إنه يخرج وقت صلاة العشاء فالظاهر أن آخر الوقت إلى طلوع الفجر لمحل الإجماع والاتفاق على خروج الوقت بطلوع الفجر وبقولنا يقول ابن عباس إن آخر وقتها إلى طلوع الفجر .
فصل بل وصل في وقت صلاة الصبح
اتفق الجميع على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر وآخره طلوع الشمس واختلفوا في وقتها المختار فمن قائل إن الأسفار بها أفضل ومن قائل إن التغليس بها أفضل وبه أقول الاعتبار في الباطن في ذلك اعلم أنه من غلب على فهمه من قوله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى في رؤية الله إن ذلك راجع إلى العلم والعقل لا إلى البصر وبه قال جماعة من العقلاء النظار من أهل السنة فهم بمنزلة من يرى التغليس ومن غلب على فهمه مما ورد في الشرع من الرؤية إن ذلك بالبصر وإنه لا يقدح في الجناب الإلهي وإن الجهة لا تقيد البصر وإنما تقيد الجارحة فهو بمنزلة من يرى الأسفار بصلاة الصبح بحيث أن يبقى لطلوع الشمس قدر ركعة أو يسلم مع ظهور حاجب الشمس والعجب من هذا إن الذي ذهب إلى أن الرؤية الواردة في الشرع محمولة على العلم لا على البصر يرى الأسفار بالصبح وإن الأكثر من الذين يرون إن الرؤية الواردة في الشرع يوم القيامة محمولة على البصر لا على العلم يرون التغليس بالصبح فهذا أحسن وجه في اعتبار هذا الوقت وأعمه وأسلاه وله اعتبارات غير هذا ولكن يجمعها كلها ما ذكرناه ولا يجمع تلك الاعتبارات التي تركناها حقيقة هذا الاعتبار الذي ذكرناه فلهذا اقتصرنا عليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء السادس والثلاثون .
صفحه ۴۹۰