251

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

اتفق علماء الشريعة على أن التيمم يجوز للمريض والمسافر إذا عدما الماء وعندنا أو عدم استعمال الماء مع وجوده لمرض قام به يخاف أن يزيد به المرض أو يموت لورود النص في ذلك وصل اعتباره في الباطن المسافر صاحب النظر في الدليل فإنه مسافر بفكره في منازل مقدماته وطريق ترتيبها حتى ينتج له الحكم في المسئلة المطلوبة والمريض هو الذي لا نعطي فطرته لنظر في الأدلة لما يعلم من سوء فطرته وقصوره عن بلوغ المقصود من النظر بل الواجب أن يزجر عن النظر ويؤمر بالإيمان تقليد أو قد قلنا فيما قبل أن المقلد في الإيمان كالتيمم بالتراب لأن التراب لا يكون في الطهارة أعني النظافة مثل الماء ولكن نسميه طهورا شرعا أعني التراب خاصة بخلاف الماء فإني أسميه طهورا شرعا وعقلا فصاحب النظر وإن آمن أولا تقليدا فإنه يريد البحث عن الأدلة والنظر فيما آمن به لا على الشك ليحصل له العلم بالدليل الذي نظر فيه فيحرج من التقليد إلى العلم أو يعمل على ما قلد فيه فينتج له ذلك العمل العلم بالله فيفرق به بين الحق والباطل عن بصيرة صحيحة لا تقليد فيها وهو علم الكشف قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وهو عين ما قلناه وقال واتقوا الله ويعلمكم الله وقال الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان وقال آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وقد ورد أن العلماء ورثة الأنبياء فسماهم علماء وأن الأنبياء ما ورثوا دينارا تولا درهما وإنما ورثوا العلم والأخذ للعلم بالمجاهدة والأعمال أيضا سفر فكما سافر العقل بنظره الفكري في العالم سافر العامل بعمله واجتمعا في النتيجة وزاد صاحب العمل إنه على بصيرة فيما علم لا يدخله شبهة وصاحب النظر ما يخلو عن شبهة تدخل عليه في دليله فصاحب العمل أولى باسم العالم من صاحب النظر وسيأتي الكلام فيما يجوز من السفر فيما لا يجوز في صلاة المسافر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى

باب في المريض يجد الماء ويخاف من استعماله

اختلف العلماء بالشريعة في المريض يجد الماء ويخف من استعماله فمن قائل بجواز التيمم له وبه أقول ولا إعادة عليه ومن قائل لا يتيمم مع وجود الماء سواء في ذلك المريض والخائف ومن قائل في حقهما يتيم ويعيد الصلاة إذا وجد الماء ومن قائل يتيمم وإن وجد الماء قبل خروج الوقت توضأ وأعاد وإن وجده بعد خروج الوقت لا إعادة عليه وصل اعتبار ذلك في الباطن المريض هو الذي لا تعطى فطرته النظر وأنه مرض مزمن مع وجود الأدلة لا أنه يخاف عليه من الهلاك والخروج عن الدين أن نظر فيها لقصوره وقد رأينا جماعة منهم خرجوا عن الدين بالنظر لما كانت فطرتهم معلولة وهم يزعمون أنهم في ذلك على علم صحيح فهم كما قال الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فيأخذ مثل هذا أن أراد النجاة العقائد تقليدا كما أخذ الأحكام وليقلد أهل الحديث دون غيرهم ووهذا تقليد الحديث النبوي في الله على علم الله فيه من غير تأويل فيه تنزيه معين ولا تشبيه وعلى هذا أكثر العامة وهم لا يشعرون فهذا هو المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله في الأعتبار

باب الحاضر يعدم الماء ما حكمه

فمن قائل بجواز التيمم له وبه أقول ومن قائل لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح إذا نعدم الماء وصل اعتبار ذلك في الباطن الحاضر هوالمقيم على عقده الذي ربط عليه من آبائه ومربيه ثم عقل ورجع إلى نفسه واستقل هل يبقى على عقده ذلك أو ينظر في الدليل حتى يعرف الحق فمن قائل يكفيه ما رباه عليه أبواه أو مربيه ويشتغل بالعمل فإن النظر قد يخرجه إلى الحيرة فلا يؤمن عليه فهو الذي قال بالتيمم عند عدم الماء وقد قدمنا أن الماء هو العلم للإشتراك في الحياة به فإن هذا الحاضر الدليل معدوم عنده على الحقيقة فإنه لا يرى مناسبة بين الله وبين خلقه فلا يكون الخلق دليلا سادا على معرفة ذات الحق فبقاؤه عنده على تقليده أولى ومن قال لا يجوز له التيمم وإن عدم الماء يقول لا يقلد وإن لم ينظر في الدليل فإن الإيمان إذا خالط بشاشة القولب لزمته واستحال رجوعها عنه ولا يدري كيف حصل ولا كيف هو فهو علم ضروري عنده فقد خرج عن حكم ما يعطيه التقليد مع كونه ليس بناظر ولا صاحب دليل وعلى هذا أكثر الناس في عقائدهم فعدم الماء في حق هذا الحاضر هو عدم الأمان على نفسه أن يوقعه النظر في شبهة تخريجه عن الإيمان

صفحه ۴۶۱