فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
الحيض ركضة شيطان فيجب الاغتسال منه قال تعالى إنه رجس من عمل الشيطان فيجب تطهير القلب من لمة الشيطان إذا نزلت به ومسه في باطنه وتطهيرها بلمة الملك والقصة البيضاء هي العلامة أو من بعض العلامات على عناية الله بهذا القلب حيث طرد عنه وأزال ركضة الشيطان فيستعمل لمة الملك عند ذلك وهو تطهير القلب وإن كنيت عن ذلك بالأصبعين وكلاهما رحمة فإنه أضافهما إلى الرحمن فلولا رحم الله عبده بتلك اللمة الشيطانية ما حصل له ثواب مخالفته بالتبديل في العدول عنه إلى العمل بلمة الملك فله أجران فلهذا قلنا إنه أضافهما إلى الاسم الرحمن فإذا أزاغه جاهد نفسه أن لا يفعل ما أماله إليه فجوزي أجر المجاهد فإن عمل وتاب أثر الفعل بعد مجاهدة فساعد الشيطان عليه القدر السابق بالفعل فوقع منه الفعل ورأى أن ذلك من الشيطان مؤمنا بذلك مصدقا كما قال موسى عليه السلام إنه من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين وتاب عقيب وقوع الفعل وأعني بالتوبة هنا الندم فإنه معظم أركان التوبة وقد ورد أن الندم توبة كان له أجر شهيد لوقوع الفعل منه والشهيد حي ليس بميت وأي حياة أعظم أو أكمل من حياة القلوب مع الله في أي فعل كان فإن الحضور مع الإيمان عند وقوع المخالفة يرد ذلك العمل حيا بحياة الحضور يستغفر له إلى يوم القيامة فهذا من عناية الاسم الرحمن الذي أضاف الأصبعين إليه فالشيطان يسعى في تضعيف الخير للعبد وهو لا يشعر فإن الحرص أعماه ويحور الوبال وإثم تلك المعصية عليه وهذا من مكر الله تعالى بإبليس فإنه لو علم أن الله يسعد العبد بتلك اللمة من الشيطان سعادة خاصة ما ألقى إليه شيأ من ذلك وهذا المكر الإلهي الذي مكر به في حق إبليس ما رأيت أحدا نبه عليه ولولا علمي بإبليس ومعرفتي بجهله وحرصه على التحريض على المخالفة ما نبهت على هذا لعلمي بأنه لولا هذا المانع لاجتنب لمة المخالفة فهذا هو الذي حملني على ذكرها لأن الشيطان لا يقف عندها لحجابه بحرصه على شقاوة العبد وجهله بأن الله يتوب على هذا العبد الخاص فإن كل ممكور به إنما يمكر الله به من حيث لا يشعر وقد يشعر بذلك المكر غير الممكور به .
باب الاغتسال من المني الخارج على غير وجه اللذة
اختلف فيه فمن قائل بوجوبه ومن قائل لا يجب عليه غسل وبه أقول وصل حكم الباطن فيه اعتبار الجنابة الغربة والغربة لا تكون إلا بمفارقة الوطن وموطن الإنسان عبوديته فإذا فارق موطنه ودخل في حدود الربوبية فاتصف بوصف من أوصاف السيادة على أبناء موطنه وأمثاله ولم يجد لذة لذلك فما وفى صفة السيادة حقها فإن الكامل لذة كماله لا تقارنها لذة أصلا والابتهاج الكمالي لا يشبهه ابتهاج فلما لم يوف الصفة حقها تعين عليه الاغتسال وهو الاعتراف بما قصر به في حق تلك الصفة الإلهية فمن هنا أوجب الغسل من أوجبه على من خرج منه المني في اليقظة من غير التذاذ ومن رأى أن صفة الكمال التي تنبغي للواجب الوجود بنفسه إذا اتصف بها العبد في غربته لم يكن لها حكم فيه لأنه ليس بمحل لها لم يوجب عليه غسلا .
باب الاغتسال من الماء يجده النائم إذا هو استيقظ ولا يذكر احتلاما
في مثل هذا بقي حكم قوله صلى الله عليه وسلم إنما الماء من الماء فهو مخصص ما هو منسوخ كما يراه بعضهم وصل اعتباره في الباطن العارف يجد قبضا أو بسطا في حال من الأحوال لا يعرف سببه وهو أمر خطر عند أهل الطريق فيعلم أن ذلك لغفلة منه عن مراقبة قلبه في وارداته وقلة نفوذ بصيرته في مناسبة حاله مع الأمر الذي أورثه تلك الصفة فيتعين عليه التسليم لموارد القضاء حتى يرى ما ينتج له ذلك في المستقبل فإذا عرفه وجب عليه الاغتسال بالحضور التام مع الحق في علم المناسبات حتى لا يجهل ما يرد عليه من الحق من واردات التقديس وما الاسم الذي جاءه بذلك وما الاسم الذي جيء به من عنده وما الاسم الإلهي الذي هو في الحال حاكم عليه وهو الذي استدعى ذلك الوارد فهذه ثلاثة الاسم المستدعي والاسم المستدى منه والاسم الوارد به فإن الحق من حيث ذاته لا سبيل لمناسبة تربطنا به أو تربطه بنا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فبأسمائه تتعلق وبها تتخلق وبها تتحقق والله الموفق .
باب الاغتسال من التقاء الختانين من غير إنزال
صفحه ۴۴۹