فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
قال لما كانت الوقايات تحول بين من توقي بها وبين ما يتوقى منه أعطته الترقي والنزاهة عن التأثر وعن حكم التأثير فيه فترقى إلى صفة الغنى عن العالمين لا إلى غير ذلك فإن الاشتراك قد وقع بيننا في التأثير في بعض المواطن في قوله أجيب دعوة الداع إذا دعاني فإعطاؤه عن سؤال أثر وتأثير وفي الغنى عن العالمين لا يكون هذا فإن ارتقى هذا الغني المتوقي إلى الغنى ع 7 ن الغنى فلا يكون ذلك إلا حتى يكون الحق عين ما ينسب إليه من الصفات ومن صفاته الغنى عن كذا فهو غني عن العالمين لا غني عن نفسه فعلى هذا الحد يكون الترقي ومن ذلك عظمت فضائحه من شهدت عليه جوارحه
الشخص مقصور على نفسه . . . فليس شيء عنه يخفيه
يبديه وقتا ثم يخفيه . . . عنه وهذا القدر يكفيه
قال أحسر الأخسرين شاهد يشهد على نفسه كما أن أسعد السعداء من شهد لنفسه فهو في الطرفين مقدم في السعادة والشقاء وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين فهم الذين أشقوا أنفسهم بشهادتهم وأما من شهدت عليه جوارحه فما تعظم فضيحته من حيث شهادة جوارحه عليه وإنما تعظم فضيحته من حيث عجزه وجهله بالذب عن نفسه في حال الشهادة فإنه ما سمى ذلك النطق شهادة إلا تجوز إلا أن الجوارح تشهد بالفعل ما تشهد بالحكم فإنها ما تفرق بين الطاعة المشروعة والمعصية فإنها مطيعة بالذات لا عن أمر فبقي الحكم لله تعالى فيأخذه ابتداء من غير نطق الجوارح وهنا يتميز العالم من غيره ) ومن ذلك بلوغ الأمنية في الرحمة الخفية (
بلوغ ما يتمنى العبد ليس له . . . وإنما هو لله الذي خلقه
ومن يكون بهذا الوصف فهو فتى . . . يزيد قدرا على أمثاله طبقه
قال ألذ ما يجده الإنسان ما لا يشارك فيه ولذلك نسب من نسب من الحكماء الابتهاج بالكمال لله لعدم المشارك له في ذلك الكمال فلا لذة أعظم من عدم المشاركة في الأمر والانفراد به حتى يكون ليس كمثله شيء وهذه هي الرحمة الخفية وإنما سميت خفية لعدم المشاركة فإنه ما يعرفها إلا صاحبها والذي يعلم السر وأخفى وعلم الله بها معك لا يمنعها من الخفاء لأن الخفاء إنما هو عن الأكوان لا عن الله فإن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء فالشيء لا يخفى عنه عينه وهذا هو العجب أن الإنسان لا يعرف نفسه كيف لا يعرف العارف نفسه وقد عرف أنها لا تعرف ومن ذلك الذي يخشى هو الليل إذا يغشى
صفةن الخشية نعت العلما . . . وهم عند اإله الحكما
والذي يجهل ما جئت به . . . في الذي قد قلته في العلما
لم يزل معه لا يهتدي . . . مع هذا مع هذا في عمى
قال الغشيان نكاح وهو ستر فهو سر فلما تغشاها حملت حملا غطاها بذاته وسترته بنفسها فكان لها لباسا وكانت له لباسا هن لباس لكم وأنتم لباس لهن فالعالم من انسحب علمه على كل شيء فغشاه فلم يخرج عن علمه شيء من الأمهات فلبسه كل شيء فهو ثوب كل شيء متى يكون ذلك إذا كان قلبه بيت الحق فإذا لبسه الحق بكونه في قلبه ولبسه العبد بكونه جميع قواه والحق هو الجامع وعلمه ليس غير الحق فقد علم كل شيء وإذا علمه فقد غشيه وإذا غشيه فقد لبسه وإذا لبسه انفعل عنه ما ينفعل ويصير ذلك المنفعل أهلا له يغشاه ومن ذلك الردة عن الدين شيمة الملحدين صاحب الردة لا تحسبه . . . عالما بالأمر فيما قد علم
بل هو الجامع حقا ولذا . . . كل ما يسمع من قول حكم
إنه يصدق فيما قاله . . . والذي يعقل هذا لا جرم
قال الدين الجزاء فلا يميل عن الجزاء إلى العمل على العبودة وتكون عبادته لذات الحق كما هي عبادته في الآخرة كان عند الناس ملحدا وعند ربه موحدا فإنه سلم من البواعث المعلولة في عبادة ربه فهذا هو الإلحاد المحمود وما سمي إلحاد إلا لما فيه من الميل عن العمل على الأمر إلا أنه لا بد أن يكون من هذه حالته في عبادته أن يشهد ويسمع أمر الحق بتكوين الأعمال فيه التي شرعت له أن يعملها فيراها تتكون فيه عن أمر الله على الموافقة لما شرع الله من الأمر والنهي ويسمع أمر الحق بالتكوين فإن لم تكن هذه صفته فما هو ذلك الرجل الذي بوبنا عليه أن الردة عن الدين شيمة الملحدين فبهذا يعرف نفسه صاحب هذا المقام فلا يأخذه بالقوة ومن ذلك اقتحم العقبة من أفرد نفسه بالمرتبة
صفحه ۴۳۴