فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
ويعزى هذا الشعر لآدم عليه السلام لما قتل قابيل أخاه هابيل فقال عليه السلام ما من قتيل يقتل أخاه ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من الوزر لأنه أول من سن القتل ظلما ولنا جزء في الأوليات وهو جزء بديع عملته بملطية من بلاد اليونان أو بمكة والله أعلم وأول ببيت وضع للناس معبدا الكعبة وأول اسم إلهي في الرتبة الاسم الحي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الآخر حضرة الآخر
والله ما الاول والآخر . . . إلا لحفظ العالم الدائر
فإنه يعجز عن حفظه . . . لوصفه المخلوق بالقاصر
فكان بالآخر حفظا له . . . ليلتقي الواحد بالآخر
وأنه جلي لنا ذاته . . . في صورة الباطن والظاهر يدعى صاحبها عبد الأخر وحده من الثاني الذي يلي الأول إلى ما تحته فهو المسمى بالآخر لأن له حكم التأخر عن الأولية بلا شك وأن استحق الأولية هذا المتأخر فما تأخر عن الأول إلا لأمر أيسره وأبينه الزمان لأن وجود الأهلية فيه من جميع الوجوه فيعلم أن الحكم في تأخيره وتقديم غيره للزمان كخلافة أبي بكر وعمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عن جميعهم فما منهم واحد إلا وهو مترشح للتقدم والخلافة مؤهل لها فلم يبق حكم لتقدم بعضهم على بعض فيها عند الله لفضل يعلم تطلبه الخلافة فما كان إلا الزمان فلما كان في علم الله أن با بكر يموت قبل عمر وعمر يموت قبل عثمان وعثمان يموت قبل علي رضي الله عن جميعهم والكل له حرمته عند الله فجعل خلافة الجماعة كما وقع فقدم من علم أن أجله يسبق أجل غيره من هؤلاء الأربعة فما تقدم من قدم منهم لكونه أكثر أهلية من المتأخر منهم في نظري والله أعلم فالظاهر أنه من كون الآجال فإنه لو بويع خليفتان قتل الآخر منهما للنص الوارد فلو بايع الناس أحد الثلاثة دون أبي بكر ولا بد في علم الله أن يكون أبي بكر خليفة وخليفتان فلا يكون فإن خلع أحد الثلاثة وولي أبو بكر كان عدم احترام في حق المخلوع ونسب الساعي في خلعه أنه خلع من يستحقها ونسب إلى الهوى والظلم والتعدي في حقه ولو لم يخلع لمات أبو بكر في أيامه دون أن يكون خليفة ولا بد له من الخلافة أن يليها في علم الله فلا بد من تقدمه لتقدم أجله قبل صاحبه وكذلك تقدم عمر بن الخطاب وعثمان وعلي والحسن فما تقدم من تقدم لكونه أحق بها من هؤلاء الباقين ولا تأخر من تأخرهم منهم عنها لعدم الأهلية وما علم الناس ذلك إلا بعد أن بين الله ذلك بآجالهم وموتهم واحد تعد آخر في خلافته أن التقدم إنما وقع بالآجال عندنا وفي نظرنا الظاهر أو بأمر آخر في علم الله لم نقف عليه وحفظ الله المرتبة عليهم رضي الله عن جميعهم فهذا من حكم التأخر والتقدم ولله الأولية لأنه موجد كل شيء ولله الآخرية فإنه قال وإليه يرجع الأمر كله وقال وإليه ترجعون وقال ألا إلى الله تصير الأمور فهو الآخر كما هو الأول وما بين الأول والآخر تظهر مراتب الأسماء الإلهية فلا حكم للآخر إلا بالرجوع إليه في كل أمر فإذا كان الله الأول فالإنسان الكامل هو الآخر لأنه في الرتبة الثانية وهو الخليفة وهو أيضا الآخر بخلقه الطبيعي فإنه آخر المولدات لأن الله لما اراد به الخلافة والأمانة بدأ بإيجاد العالم وهيأه وسواه وعدله ورتبه ممكلة قائمة فلما استعد للقبول أن يكون مأمونا أنشأ الله جسم الإنسان الطبيعي ونفخ فيه من الروح الإلهي فخلقه على صورته لأجل االاستخلاف فظهر بجسمه فكان المسمى آدم فجعله في الأرض له خليفة وكان من أمره وحاله مع الملائكة ما ذكر الله في كتابه لنا وجعل الأمانة في نبيه إلى يوم القيامة فهو الآخر بالنسبة إلى الصورة الإلهية والآخر أيضا بالنسبة إلى الصورة الكونية الطبيعية فهو آخر نفسا وجسما وهو الآخر برجوع أمر العالم إليه فهو المقصود به عمرت الدنيا وقامت وإذا رحل عنها زالت الدنيا ومارت السماء وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال وعطلت عشتار وسجرت البحار وذهبت الدار الدنيا بأسرها وانتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان فعمرت الجنة والنار وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة والنار فالاسم الأول للأولى وهي الدار الدنيا والاسم الآخر للأخرى وهي الآخرة وإنما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم وللآخرة خير لك من الأولى لأن الآخر ما ورآه مرمى فهو الغاية فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل فله الثبوت والبقاء والدوام والأول ليس كذلك فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي إلى الآخر وهو الغاية فيقف عنده فلهذا قال له وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى فأعطاه صفة البقاء والدوام والنعيم الدائم الذي لا انتقال عنه ولا زوال فهذا ما أعطاه حكم هذه الحضرة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
صفحه ۲۹۹