فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فالحق عين الوجود والخلق قيده بالإطلاق فالخلق قيده مقيد فلا حكم إلا له وبه والحق الحاكم لا يحكم إلا بالحق فحق الحق عين الخلق فإني تصرفون والأمر كما قلناه وماسمى خلقا إلا بما يخلق منه فالخلق جديد وفيه حقيقة اختلاق لأنك تنظر إليه من وجه فتقول هو خلق وهو في نفسه لا حق ولا غير حق فإطلاق الحق عليه والخلق كأنه اختلاق فغلب عليه هذا الحكم فسمى خلقا وانفرد الحق باسم الحق إذ كان له وجوب لوجود بنفسه وكان للخلق وجوب الوجود به لا أقول بغيره فإن الغير ما له عين وإن كان له حكم كالنسب لا عين لها ولها الحكم فبالحق خلق السماء والأرض وبالحق نزل القرآن وبالحق نزل وللحق نزل ففي الخلق تاه الخلق لأنه ليل سلخ منه النهار فإذا هم مظلومون حيارى ما لهم من نور يهتدون به كما جعل الله النجوم لمن يهتدي بها في ظلمات البر والبحر وهو نظر العامة والخواص في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يعقلون يقولون نحن نحن وهو هو وتارة يقولون هو نحن ونحن هو وتارة يقولون لا نحن نحن مخلصون ولا هو هو مخلص ثم صدق الله هؤلاء الخواص في حيرتهم بقوله لا خص خلقه علما ومعرفة وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فنفى عين ما أثبت فما أثبت وما نفى فأين العامة من هذا الخطاب فالعلم بالله حيرة والعلم بالخلق حيرة وقد حجر النظر في ذاته وأطلقه في خلقه فالهداة في النظر لا في الخلق لأنه الهادي وقد هدى العمى في النظر في الحق فإنه قد حجر وجعله سبيل الردى وهذا خطاب خاطب به العقلاء ما خاطب به أهل الجمع والوجود فما نظر قط أهل الخصوص في اكتساب علم به ولا معلوم وإنما جعل لهم أن يهيئوا محالهم ويطهروا قلوبهم حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده بالفتح فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين لأنهم عاينوا ما وصلوا إليه بالفتح الإلهي والأمر عين ما انفصلوا عنه فما زادهم إلا إيمانا بالحيرة وتسليما لحكمها ومن هذه الحضرة أثبت إن الباطل شيء قذف بالحق عليه فدمغه فإذا الباطل زاهق ولا يزهق إلا ما له عين وما تخيل إن له عينا فلا بد له من رتبة وجودية خيالا كانت أو غير خيال وقد اعتنى بها على كل حال ثم أنه من أعظم الحيرة في الحق أن الحق له الوجود الصرف فله الثبوت وصور التجلي حق بلا شك
ومالها ثبوت وما لها بقاء . . . لكن لها اللقاء فما لها شفاء
ما من صورة ينجلي فيها إلا ذهبت ما لها رجوع ولا تكرار وليس الزهوق سوى عين الذاهب فأين تذهبون فهل في الحق باطل أو ما هو الباطل وما أذهب الصورة إلا قذف الصورة الأخرى وهي تذهب ذهاب أختها فهي من حيث ورودها حق ومن حيث زهوقها باطل فهي الدامغة المدموغة فصدق من نفى رؤية الحق فإن الحق لا يذهب فإنه إن كانت الصور صورنا فما رأينا إلا أنفسنا ونحن ليس بباطل وقد زهقنا بنا فنحن الحق لأن الله بنا قذف علينا فما أتى علينا إلا منا فالله بالحق قاذف والعبد للحكم الإلهي واقف
فالعين مني ومنه . . . لها البقاء والثبوت
من ذا الذي منه يحي . . . أو من هو منه يميت
ومنه مني يحي . . . أو منه مني يموت
قد حرت فيه وفينا . . . فنحن خرس صموت
لا تدعي فيه دعوى . . . فإنه ما يفوت
أصبحت لله قوتا . . . وإنه لي قوت
فالأمر دور هذا . . . علمني به ما بقيت
فلا تعتمد على من له الزهوق فإنه ما يحصل بيدك منه شيء ولا تعتمد إلا عليك فإن مرجعك إليك و إلى الله ترجعون كما ترجع الأمور فمن هنا قال من قال من رجال الله أنا الله فاعذروه فإن الإنسان بحكم ما تجلى له ما هو بحكم عينه وما تجلى له غير عينه فسلم واستسلم فالأمر كما شرحته وعلى الله قصد السبيل ولو شاء لهديكم أجمعين
الوكيل حضرة الوكالة
وكيلي من يقول أنا الوكيل . . . ويدري أنني عنه أقول
ولو أني أشاهده بقلبي . . . لما كان الطلوع ولا الأفول
ولكني أشاهده بعيني . . . لذا وقع التحير والذهول يدعى صاحبها عبد الوكيل يهذا الاسم الإلهي ثبت الملك والملك للخلق فإنا ما وكلناه إلا في التصرف في أمورنا فيما هو لعلمنا بكمال علمه فينا فإنه منا ما لا نعلمه من نفوسنا وما أعطاه العلم بنا سوانا في حال ثبوتنا فنحن العلماء الجاهلون وهو العليم الذي لا يجهل ولهذا هو الحليم الذي لا يعجل فيمهل ولا يهمل ونحن نعجل وهو يعلم منا أنا نعجل وما نعجل وإنما هو انتهاء مدة الأجل فالأجل منه قصير المدة ومنه طويلها فكل يجري إلى ما لا يتناهى جريانا دائما لا ينقصني فالحق كل يوم في شأن ونحن في خلق جديد بين وجود وانقضاء فأحوال تتجدد على عين لا نبعد بأحكام لا تنفد وهي كلمات الله وخلقه ولا تبديل لكلمات الله ولا تبديل لخلق الله وإنما التبديل لله فنحن كلماته وخلقه فهذا الوكيل الحق قد أعلمنا بتصرفه فينا أنه ما زاد شيئا على ما أعطيناه منا لأن الوكيل بحكم موكله فلا يتصرف إلا فيما أذن له فللوكيل الحجة البالغة فإنه لا يزيد على الحد المفوض إليه وما ثم ما يقبل الزيادة فإن قلت للوكيل لم فعلت كذا كشف لك عنك فرأيت أنك جعلته أن يفعل ما أنكرت عليه فعله وكشف لك عن إنكارك فلا بد لك من الإنكار عليه فعذرك وعذرته
فلا تلم وكيلا . . . ولم موكله
فإنما وجودي . . . به ونحن به
ولاتلمه أيضا . . . فالعين مجملة
صفحه ۲۸۰