فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
أنه لا بد مني . . . فلذا أمرك أمري من يطع الرسول فقد أطاع الله فانظر إلى سريان هذا اللطف الإلهي ما أعجبه وحكمه الظاهر في هذه الكثافة كيف أبان أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله والحجر الأسود يمين الله للبيعة وجعله في الحجر حتى لا يقع في ذلك دعوى فهي بيعة خالصة مخلصة فمن بايعه بايع الله فانظر إلى ما يشهده البصر وانظر إلى ما يشهده الإيمان فمن نظر بعين الإيمان رأى قوة نفوذه في الكثيف حتى سرى إلى اللطيف الخبير فيحصل له المعرفة بالأمر على ما هو عليه فإذن عين اللطيف الذي سار إليه عين الكثيف الذي سار منه يبين في الحدود مثاله الجوهر قائم بنفسه ظاهر شخصه من أعيان غير ظاهرة هي مجموعه وليست سوى عينه وما لها وجودا لا عينه فمن الجوهر ومن الصفات النفيسة له فالأمر هكذا في هذه الحضرة فهو حق وعين ما هو حق إذا ظهر كان خلقا ولا يصح حكم لحضرة اللطف إلا بوجود الخلق البخار يصعد لا يدركه البصر للطفه ورقته فينضم بعضه إلى بعضه ويتراكم فيظهر غماما أنشأه الحق فظهر وهو من شيء لا يظهر فأعطاه هذا المزاج الخاص حكما لم يكن له قبل وأعطاه اسما وظهر عنه أثر في الجو لك يكن له شيء من هذا كله قبل ذلك فأمطر وأحيى وأضحك الأرض بالنبات وأروى وهو ما عمل شيئا إلا بذلك السر اللطيف الذي نشأت منه صورته وفي قبض الظل ومده من اللطف ما إذا فكر فيه الإنسان رأى عظيم أمر ولهذا نصبه الله دليلا على معرفته فقال ألم تر إلى ربك كيف مد الظل فلا يدرك البصر عين امتداده حالا بعد حال فإنه لا يشهد له حركة مع شهود انتقاله فهو عنده متحرك لا متحرك وكذلك في فيئه وهو قوله ثم قبضناه إلينا يسيرا فمنه خرج فإنه لا ينقبض إلا إلى مأمنه خرج كذلك تشهده العين وقد قال تعالى وهو الصادق أنه قبضه إليه فعلمنا أن عين ما خرج منه هو الحق ظهر بصورة فيه ظل يبرزه إذا شاء ويقبضه إذا شاء لكن جعل الشمس عليه دليلا ولم يتعرض لتمام الدلالة وهو كثافة الجسم الخارج الممتد عنه الظل فبالمجموع كان امتداد الظل فهذا شمس وهذا جدار وهذا ظل وهذا حكم امتداد وقبض بقيء ورجوع إلى ما منه بدا فإليه عاد والعين واحدة فهل يكون شيء ألطف من هذا فالأبصار وإن لم تدركه فما أدركت إلا هو فإنه ما أحالنا إلا على مشهود بقوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وما مده إلا بشمس وذات كثيفة تحجب وصول نور الشمس إلى ما امتد عليه ظل هذه الذات وجهة خاصة ثم قبضه كذلك فهذه كيفية ما خاطبنا بها أن ننظر إليها وما قال فيها فكنا نصرف النظر تألقا إلى الفكر ولكن بأداة إلى أراد شهود البصر وإن كانت الأدوات يدخل بعضها في مكان بعض ولكن لا يعرف ذلك إلا بقرائن الأحوال وهي إذا استحال أن يكون حكم هذه الأداة بالوضع في هذا الموضع علمنا أنها بدل وعوض من أداة ما يستحقه ذلك الموضع وهذا معلوم في اللسان وبهذا اللسان أنزل القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم إنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين وقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فلا بد أن يجري به على ما تواطؤوا عليه في لحنهم فاعلم ذلك فتأمل فيما أوردناه في نظمنا هذا الذي أذكره
فلا يدري اللطيف سوى لطيف . . . وعين اللطيف في عين الكثافة
فهذا عين هذا يا خليلي . . . فقف بين الكثافة واللطافة
تحز قصب السباق بكل وجه . . . كما قد حازه أهل العيافة
وكن عبد اللطيف بكل وجه . . . تنل ما ناله أهل القيافة
من إدخال السرور على رسول . . . نقى الثوب من أهل النظافة
وهذه حضرو نلت منها في خلقي الحظ الوافر بحيث أني لم أجد أحدا فيمن رأيت وضع قدمه فيها حيث وضعت إلا أن كان وما رأيته لكني أقول أو أكاد أقول أنه إن كان ثم فغايته أن يكون معي في درجتي فيها وإما أن يكون أتم فما أظن ولا أقطع على الله تعالى فأسراره لا تحد وعطاياه لا تعد وقد بينا في الأحوال من هذا الكتاب في باب اللطيفة ما يقتضيه هذا الاسم الإلهي في أهل الله وما يطلبه بالوضع في اللسان والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
حضرة الخبرة والاختبار وهي حضرة الابتلاء بالنعم والنقم
إن الخبير هو المبلي إذا نظرت . . . عيناك نعمة من يبلي بها البشرا وإن يكن نقمة منه حباك بها . . . إن السعيد الذي ما زال مفتقرا
صفحه ۲۳۹