فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فلله ما يخفى ولله ما بدا . . . نعم بل هو الله الذي ليس إلا هو واعلم أنه لما كان في قوة الاسم الله بالوضع الأول كل اسم إلهي بل كل اسم له أثر في الكون يكون عن مسماه ناب مناب كل اسم لله تعالى فإذا قال قائل يا الله فانظر في حالة القائل التي بعثته على هذا النداء وانظر أي اسم إلهي يختص بتلك الحال فذلك الاسم الخاص هو الذي يناديه هذا الداعي بقوله يا الله لأم الاسم الله بالوضع الأول إنما مسماه ذات الحق عينها التي بيدها ملكوت كل شيء فلهذا ناب الاسم الدال عليها على الخصوص مناب كل اسم إلهي ثم إن لهذا المسمى من حيث رجوع الأمر كله إليه اسم كل مسمى يفتقر إليه من معدن نبات وحيوان وإنسان وفلك وملك وأمثال ذلك مما ينطلق عليه اسم مخلوق أو مبدع فهو تعالى المسمى بكل اسم لمسمى في العالم مما له أثر في الكون وما ثم إلا من له أثر في الكون وأما تضمنه لأسماء التنزيه فمأخذ ذلك قريب جدا وإن كان كل اسم إلهي بهذه المثابة من حيث دلالته على ذات الحق جل جلاله وعز في سلطانه لكن لما كان ما عدا الاسم الله من الأسماء مع دلالته على ذات الحق يدل على معنى آخر من سلب أو إثبات بما فيه من الاشتقاق لم يقو في أحدية الدلالة على الذات قوة هذا الاسم كالرحمن وغيره من الأسماء الإلهية الحسنى وإن كان قد ورد قوله تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى فالضمير في له يعود على المدعو به تعالى فإن المسمى الأصلي الزائد على الاشتقاق ليس إلا عينا واحدة ثم إن الله تعالى قد عصم هذا الاسم العلم أن يسمى به أحد غير ذات الحق جل جلاله ولهذا قال الله عز وجل في معرض الحجة على من نسب الألوهة إلى غير هذا المسمى قل سموهم فبهت الذي قيل له ذلك فإنه لو سماه سماه بغير الاسم الله وأما ما فيها من الجمعية فإن مدلولات الأسماء الزائدة على مفهوم الذات مختلفة كثيرة وما بأيدينا اسم مخلص علم للذات سوى هذا الاسم الله فالاسم الله يدل على الذات بحكم المطابقة كالأسماء الأعلام على مسمياتها وثم أسماء تدل على تنزيه وثم أسماء تدل على إثبات أعيان صفات وإن لم تقبل ذات الحق قيام الأعداد وهي الأسماء التي تعطي أعيان الصفات الثبوتية الذاتية كالعالم والقادر والمريد والسميع والبصير والحي والمجيب والشكور وأمثال ذلك وتعطي النعوت فلا يفهم منها في الإطلاق إلا النسب والإضافات كالأول والآخر والظاهر والباطن وأمثال ذلك وأسماء تعطي الأفعال كالخالق والرازق والبارئ والمصور وأمثال ذلك من الأسماء وانحصر الأمر وجميع الأسماء الإلهية بلغت ما بلغت لا بد أن ترجع إلى واحد من هذه الأقسام أو إلى أكثر من واحد مع ثبوت دلالة كل اسم منها على الذات لا بد من ذلك فهي حضرة تتضمن جميع الحضرات فمن عرف الله عرف كل شيء ولا يعرف الله من لا يعرف شيئا واحدا أي مسمى كان من الممكنات وحكم الواحد منها حكم الكل في الدلالة على العلم بالله من حيث ما هو إله للعالم خاصة ثم إذا وقع لك الكشف بالعمل المشروع رأيت أنك ما علمته إلا به فكان عين الدليل هو عين المدلول عليه بذلك الدليل والدال وهذه الحضرة وإن كانت جامعة للحقائق كلها فأخص ما يختص بها من الأحوال الحيرة والعبادة والتنزيه فأما التنزيه وهو رفعته عن التشبه بخلقه فهو يؤدي إلى الحيرة فيه وكذلك العبادة فأعطانا قوة الفكر لننظر بها فيما يعرفنا بأنفسنا وبه فاقتضى حكم هذه القوة أن لا مماثلة بيننا وبينه سبحانه وتعالى من وجه من الوجوه إلا استنادنا إليه في إيجاد أعياننا خاصة وغاية ما أعطى التنزيه إثبات النسب له بكسر النون بنا لما نطلبه من لوازم وجود أعياننا وهي المسمى بالصفات فإن قلنا أن تلك النسب أمور زائدة على ذاته وأنها وجودية ولا كمال له إلا بها وإن لم تكن كان ناقصا بالذات كاملا بالزائد الوجودي وإن قلنا ما هي هو ولا هي غيره كان خلفا من الكلام وقولا لا روح فيه يدل على نقص عقل قائله وقصوره في نظره أكثر من دلالته على تنزيهه وإن قلت ما هي هو ولا وجود لها وإنما هي نسب والنسب أمور عدمية جعلنا العدم له أثر في الوجود وتكثرت النسب لتكثر الأحكام التي أعطتها أعيان الممكنات وإن لم تقل شيئا من هذا كله عطلنا حكم هذه القوة النظرية وإن قلنا أن الأمور كلها لا حقيقة لها وإنما هي أوهام وسفسطة لا تحوي على طائل ولا ثقة لأحد بشيء منها لا من طريق حسي ولا فكري عقلي فإن كان هذا القول صحيحا فقد علم فما هذا الدليل الذي أوصلنا إليه وإن لم يكن صحيحا فبأي شيء علمنا أنه ليس بصحيح فإذا عجز العقل عن الوصول إلى العلم بشيء من هذه الفصول رجعنا إلى الشرع ولا نقبله إلا بالعقل والشرع فرع عن أصل علمنا بالشارع وبأي صفة وصل إلينا وجود هذا الشرع وقد عجزنا عن معرفة الأصل فنحن عن الفرع وثبوته أعجز فإن تعامينا وقبلنا قوله إيمانا لأمر ضروري في نفوسنا لا نقدر على دفعه سمعناه ينسب إلى الله أمورا تقدح فيها الأدلة النظرية وبأي شيء منها تمسكنا قابله الآخر فإن تأولنا ما جاء به لنرده إلى النظر العقلي فنكون قد عبدنا عقولنا وحملنا وجوده تعالى على وجودنا وهو لا يدرك بالقياس فأدانا تنزيهنا إلهنا إلى الحيرة فإن الطرق كلها قد تشوشت فصارت الحيرة مركزا إليها ينتهي النظر العقلي والشرعي وأما العبادة فمن حيث هي ذاتية فليست سوى افتقار الممكن إلى المرجح وإنما أعني بالعبادة التكليف والتكليف لا يكون إلا لمن له الاقتدار على ما كلف به من الأفعال أو مسك النفس في المنهيات عن ارتكابها فمن وجه ننفي الأفعال عن المخلوق ونردها إلى المكلف والشيء لا يكلف نفسه فلا بد من محل يقبل الخطاب ليصح ومن وجه نثبت الأفعال للمخلوق بما تطلبه حكمة التكليف والتفي يقابل الإثبات فرمانا هذا النظر في الحيرة كما رمانا التنزيه والحيرة لا تعطي شيئا فالنظر العقلي يؤدي إلى الحيرة والتجلي يؤدي إلى الحيرة وما ثم إلا الله كان بعضهم إذا تقابلت عنده هذه الأحكام في سره يقول يل حيرة يا دهشة يا حرقا لا يتقرى وما هذا الحكم لحضرة أخرى غير هذه الحضرة الإلهية
الحضرة الربانية وهي الاسم الرب
الرب مالكنا والرب مصلحنا . . . والرب ثبتنا لأنه الثابت
لولا وجودي وكون الحق أوجدني . . . ما كنت أدري بأني الكائن الفائت
فالحق أوجدني منه وأيدني . . . به لذلك ادعى الناطق الصامت ولها خمسة أحكام الثبوت على التلوين والسلطان على أهل النزاع في الحق والنظر في مصالح الممكنات والعبودة التي لا تقبل العتق وارتباط الحياة بالأسباب المعتادة فأما الثبوت على التلوين فهو في قوله كل يوم هو في شأن وقوله يقلب الله الليل والنهار فما من نفس في العالم إلا وفيه حكم التقليب ألا ترى إلى الشمس التي هي علة الليل والنهار تجري لا مستقر لها ليلا ولا نهارا ألا ترى إلى الكواكب كل في فلك يسبحون ما قال يستقرون في ثلاثمائة وستين درجة كل درجة بل كل دقيقة بل كل ثانية بل كل جزء لا يتجزأ من الفلك إذا أنل الله فيه أي كوكب كان من الكواكب يحدث الله عند نزوله في كل جوهر فرد من عالم الأركان ما لا يعرف ما هو إلا الله الذي أوجده ويحدث في الملأ الأوسط من الأرواح السماوية التي تحت مقعر فلك البروج من العلوم بما يستحقه الحق عز وجل من المحامد على ما وهبهم من المعارف الإلهية كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون والذين في هذا الملأ هم أهل الجنان وفي عالم الأركان وفي بعض هذا الملأ هم أهل النار الذين هم أهلها ويحدث في الملأ الأعلى وهو ما فوق فلك البروج إلى معدن النفوس والعقول إلى العماء من العلوم التي تعطيها الأسماء الإلهية ما يؤديهم إلى الثناء على الله بما ينبغي له تعالى من حيث هم لا من حيث الأسماء فإن الأسماء الإلهية أعظم إحاطة مما هم عليه فإن تعقلها في تنفيذ الأحكام غير متناه وأما السلطان الذي لهذه الحضرة على أهل النزاع في الحق فهو أن المقالات اختلفت في الله اختلافا في الله اختلافا كثيرا من قوة واحدة وهي الفكر في أشخاص كثيرين مختلفي الأمزجة والأمشاج والقوي ليس لها من يمدها إلا مزاجها الطبيعي وحظ كل شخص من الطبيعة ما يعطيه من المزاج الذي هو عليه فإذا أفرغت قوتها فيه حصل له استعداد به يقبل نفخ الروح فيه فيظهر عن النفخ وتسوية الجسم الطبيعي صورة نورية روحانية ممتزجة بين نور وظلمة ظلمتها ظل ونورها ضوء فظلها هو الذي مده الرب فهو رباني ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ونورها ضوء لأن استنارة الجسم الطبيعي إنما كان بنور الشمس وقد ذكر الله أنه جعل الشمس ضياء وجعل القمر نورا فلهذا جعلنا نورها ضوءا من أجل الوجه الخاص الذي لله في كل موجود أو من كون إفاضة الضوء على مرآة الجسم المسوي فظهر في الانعكاس ضوء الشمس كظهوره من القمر فلذا سمينا الروح الجزئي نورا لأن الله جعل القمر نورا لأن الله جعل القمر نورا فهو نور بالجعل كما كانت الشمس ضياء بالجعل وهي بالذات نور والقمر بالذات محو فللقمر وللشمس البقاء
فللقمر الفناء بكل وجه . . . وللشمس الإضاءة والبقاء
صفحه ۲۰۰