فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه إن هذا الذكر يعطى صاحبه انه هو إذ لا يكتفي إلا به لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس وراء الله مرمى فما كان من حجاب فما هو إلا بينك وبينه ما هو وراءه فانه الأول وأنت الآخر وهو قبلتك فلا يكون له منك إلا المواجهة ثم أرسل بينك وبينه حجب الأسباب والنسب والعادات وجعلها صورا له من حيث لا تشعر فمن قال هي هو صدق ومن قال ما هي هو فللاختلاف الذي يراه فيها فيصدق فانه يحجبه عن العلم به اختلاف الصور فكما يقطع إن هذه الصورة ليست هذه الصورة أي هذا السبب ما هو هذا السبب يقطع إنها ما هي هو و ذهل عن حقيقة الحجاب أو كونها وان اختلفت فهي واحدة في السببية أو الحجابية كذلك هي عينه وان اختلفت وان لم يكن الأمر هكذا و إلا فلا تصح المواجهة ألا ترى الأعمى إذا واجهته و كافحته لا يقدح عماه وكونه لا يراك وأنت تراه عن حكم المواجهة بينكما مع كون الأعمى يرى الظلمة بلا شك و أنت عنده في عين تلك الظلمة التي يراها فيدركك ظلمة لأنه يواجهك فيقول رأيت فلانا اليوم مواجهة و يصدق مع كونه أعمى فما وراء الله مرمى وما ورائك له مرمى لان الصورة الإلهية بك كملت و فيك شهدت فهو حسبك كما أنت حسبه و لهذا كنت آخر موجود و أول مقصود ولولا ما كنت معدوما ما كنت مقصودا فصح حدوثك ولولا ما كان علمك به معدوما ما صح أن تر يد العلم به فهذا من أعجب ما في الوجود إن يكون من أعطاك العلم بنفسه لا يعلم نفسه إلا بك لان الممكنات أعطت العلم بأنفسها الحق ولا يعلم شئ منها نفسه إلا بالحق فلهذا كان حسبك لأنه الغاية التي إليها تنتهي و أنت حسبه لأنه ما ثم بعده إلا أنت ومنك علمك وما هي إلا المحال و هو عين العدم المحض الذي التبست بظله كما التبست بضوء الوجود النور فقابلت الطرفين بذاتك فان نسب إليك العدم لم تستحل عليك هذه النسبة لظلمته عليك وان نسب إليك الوجود لم يستحل لضوئه فيك الذي به ظهرت لك فلا يقال فيك موجود فان ظل العدم الذي فيك يمنع من هذا الإطلاق إن تستحقه استحقاق من لا يقبل العدم ولا يقال فيك معدوم لان ضوء الوجود الذي فيك يمنع من هذا الإطلاق إن تستحقه استحقاق من لا يقبل الوجود فأعطيت اسم الممكن والجائز لحقيقة معقولة تسمى الإمكان والجواز وحصل اسم الموجود للواجب بالذات لحقيقة تسمى الوجود وهي عين الموجود كما إن الإمكان عين الممكن من حيث ما هو ممكن لا من حيث ما هو ممكن ما وحصل اسم المعدوم للمحال وهو الذي لا يقبل الوجود لذاته الحقيقية تسمى العدم المطلق وهو الإحالة فأنت جامع الطرفين ومظهر الصورتين وحامل الحكمين لولاك لأثر المحال في الواجب وأثر الواجب في المحال فأنت السد الذي لا ينخرم ولا ينفصم فلو كان للعدم لسان لقال إنك على صورته فإنه لا يرى منك إلا ظله كما كان للوجود كلام فقال إنك على صورته فإنه رأى فيك صورته فعلمك بك لنوره وجهلك العدم المطلق لظله فأنت المعلوم المجهول وصورة الحق سواء فتعلم من حيث رتبتك لا من حيث صورتك إذ لو علمت من حيث صورتك لعلم الحق والحق لا يعلم فأنت من حيث صورتك لا تعلم فالعلم بك إجمال لا تفصيل فقد عرفتك ما يعطيك هذا الذكر من العلم بالله إن عقلت والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والهادي من يشاء إلى صراط مستقيم
الباب الخامس عشر وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وظن داود إنما
فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب
الإفتتان هو البلاء بعينه . . . فاسكن إذا ما يبتليك بحكمه
و استغفر الرب الكريم بسجدة . . . منه فأنت معين في علمه
واحذر من الفكر الدقيق فإنما . . . يؤتي الذي فهم الذي من فهمه
الشأن فوق عقولنا وعيوننا . . . فاحذر من العقل الذي في زعمه
إن العلوم لديه وهو مقيد . . . عبد الدليل بكيفه وبكمه
صفحه ۱۵۷