فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
وإن إتيانه بالكل شرعته . . . بذا أتي الحكم فيه من مشرعه الضمير في أنه يعود على الدين قال الله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فالمراد هنا بضمير منكم ليس إلا الأنبياء عليهم السلام لا الأمم لأنه لو كان للأمم لم يبعث رسول في أمة قد بعث فيها رسول إلا أن يكون مؤبدا لا يزيد ولا ينقص وما وقع الأمر كذلك فإن جعلنا الضمير في قوله منكم للأمم والرسل جميعا تكلفنا في التأويل شططا لا نحتاج إليه فكون الضمير كناية عن الرسل أقرب إلى الفهم وأوصى إلى العلم ويدخل في ذلك عموم الرسالة وخصوصها وقال صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فاختلف الناس في اليهودي أن تنصر والنصراني أن تهود هل يقتل أم لا ولم يختلفوا فيه أن أسلم فإنه صلى الله عليه وسلم ما جاء يدعو الناس إلا إلى الإسلام وجعل علماء الرسوم إن هذا تبديل مأمور به وما هو عندنا كذلك فإن النصراني وأهل الكتاب كلهم إذا اسلموا ما بدلوا دينهم فإن من دينهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في شرعه إذا أرسل وإن رسالته عامة فما بدل أحد من أهل الدين دينه إذ اسلم فافهم وما بقي إلا المشرك فإن ذلك ليس بدين مشروع وإنما هو أمر موضوع من عند غير الله والله ما قال إلا من يتردد منكم عن دينه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من بدل دينه وإنما لم يسم الشرك دينا لأن الدين الجزاء ولا جزاء في الخير للمشرك على الشرك أصلا لا فيما سلف ولا فيما بقي وإذا آل المشرك إلى ما يؤول إليه في النار التي هي موطنه الذي لا يخرج منه أبدا فإن ذلك ليس بجزاء وإنما ذلك اختصاص سبق الرحمة التي وسعت كل شيء فيظهر حكمها فيه في وقت ما عند إزالة حكم الغضب الإلهي فما أراد بالدين إلا الذي له جزاء في الخير والشر ولو أراد الدين الذي هو العادة مثل قول إمرؤ القيس
كدينك من أم الحويرث قبلها . . . وجارتها أم الرباب بمأسل
أراد بالدين هنا العادة ونحن إنما تكلمنا في الدين المشروع الذي العادة جزء منه فيكشف للذاكر بهذا الذكر علم الارتداد وهو الرجوع الذي في قوله وإليه يرجع الأمر كله فمن الناس من عجل له هنا الرجوع إلى الله وليس ذلك إلا للعارفين بالله فإنهم يرجعون في أمورهم كلها إلى الله ولا يزالون يستصحبهم ذلك إلى الموت فيموتون عليه وإنما وصفوا بالكفر لأنهم تستروا بالأسباب ولم يقولوا بإبطالها فهم في نفوسهم وحالهم مع الله وبظاهرهم في الأسباب فإنهم يرون الأسباب راجعة إلى الله فرجعوا لرجوعها ورجعوا بها إلى الله فلما لم يفقدهم أصحاب الأسباب في الأسباب تخيلوا فيهم أنهم أمثالهم فيما هم فيه فجاءت هذه الآية ذما في العموم وحمدا ومدحا في الخصوص ولهذا تممها فقال فيهم إن أعمالهم حبطت لأنها أضافها إليهم وأعطاهم الرجوع إلى الله تعلم بأن أعمالهم إلى الله لا إليهم فحبطت أعمالهم من الإضافة إليهم وصارت مضافة إلى الله كما هي في نفس الأمر وقوله في الدنيا يريد من عجل له الكشف عن ذلك هنا وقوله في الآخرة يريد من آخر له ذلك وهو الجميع إذا انكشف الغطاء وأما إضافة الدين إليه في قوله عن دينه إنما الدين لله فإن الراجع إذا رآه في رجوعه لله لا إليه زالت هذه الإضافة عنه لشهوده وإنما قلنا بإضافة الدين إليهم في هذه الآية لأنه أظهر في الحكم من أجل قوله حتى يردوكم يعني في الفتنة عن دينكم إن استطاعوا فأضاف الدين إليهم فكان الأوجه أن يكون في ضمير الهاء على ما هو عليه في ضمير الخطاب سواء وإن جاز أن يكون ضمير الهاء يعود على الله لكن الأصل في الضمائر كلها عودها على أقرب مذكور إذا عريت عن قرائن الأحوال وقوله في تمام الهجير وألئك هم الخاسرون لهذا الكشف لأنهم رأوا ما كانوا يتخيلون فيه أنه إليهم ليس إليهم فخسروا رأس المال ولا أعظم خسرانا منه فما كان من الله إليهم بعد هذا من الإنعام فإنما هو من الاسم الوهاب المعطي لينعم فما لهم في نظرهم عطاء جزاء لعامل فهذا وأمثاله هو الذي يعطي هذا الذكر لمن كثر دؤوبه عليه
الباب السادس والتسعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله وما قدروا
الله حق قدره
ما قدر الله غيره أبدا . . . وليس غير فكلهم قدرا
ما حق قدر الآله عندي سوى . . . بإن الله فاعرف الصورا
لو يعرف الخلق ما أفوه به . . . في حق قدر الآله ما أعتبرا لوعبروا عن وجود ذاتهم . . . ماعرفوا الحق لا ولا البشرا
صفحه ۱۳۴