فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
من أسه الحق فذاك الذي . . . يطرحه الضارب من أأسه سر الهي لا يعرفه كثير من الناس بعث الله تعالى موسى وهارون إلى فرعون وأصلهما أن يقولانه قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى والترجي من الله واقع عند جميع العلماء كما قال عس الله أن يتوب عليهم فقال العلماء عسى من الله واجبة ولعل وعسى أختان فعلم الله أنه يتذكر ولا يكون التذكر إلا عن علم سابق منسى ثم قال لهما لما رأى خوفهما من أنه لا يجيب إلى ما يدعوانه إليه لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى أي أسمع من فرعون إذا بلغتما إليه رسالة ربكما وأرى ما يكون منكما في حقه مما أوصيتكما به من اللين والتنزل في الخطاب فلم يجد فرعون على من يتكبر لأن التكبر من التكبر إنما يقع لمن يظهر له بصفة الكبرياء فلما رأى ما عندهما من اللين في الخطاب رق لهما وسرت الرحمة الإلهية بالعناية الربانية في باطنه فعلم أن الذي أرسلا به هو الحق فكان المتكلم من موسى وهارون الحق وكان السمع الذي تلقى من فرعون كلام موسى الحق فحصل القبول في نفسه وستر ذلك عن قومه فإنه شأن الحق ألا ترى إليه تعالى في القيامة يتجلى في صورة ينكر فيها فهذا من ستره ولما علم فرعون أن الحق سمع خلقه وبصره ولسانه وجميع قواه لذلك قال بلسان الحق أنا ربكم الأعلى إذ علم أن الله هو الذي قال على لسان عبده أنا ربكم الأعلى فأخبر الله تعالى إنه أخذه نكال الآخرة والأولى والنكل القيد فقيده الله بعبوديته مع ربه في الأولى بعلمه أنه عبد الله وفي الآخرة إذا بعثه الله يبعثه على ما مات عليه من الإيمان به علما وقولا وليس بعد شهادة الله شهادة وقد شهد له إنه قيده في الأولى والآخرة إن في ذلك أي في هذا الأخذ لعبرة أي تعجبا وتجاوزا مما يسبق منه إلى فهم العامة إلى ما فيه مم يفهمه الخاصة من عباد الله وهم العلماء ولذلك قال لعبرة لمن يخشى وقد عرفنا أنه إنما يخشى الله من عباده العلماء وقد قال لعله يتذكر أو يخشى ولا يخشى حتى يعلم بالتذكر ما كان نسيه من العلم بالله ومن قيده الحق فلا يتمكن له الإطلاق والسراح من ذلك القيد وقولهما إننا نخاف أن يفرط علينا أي يتقدم علينا بالحجة بما يرجع إليه من التوحيد أو أن يطغى أي يرتفع كلامه لكونه يقصد إلى عين الحقيقة فنتعب معه فلهذا قال لهما لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى وأوصاهما أن يلينا له في القول فلما قالا له صلى الله عليهما ما قالاه على الوجه الذي عهد إليهما الله أن يقولاه قال لهما فرعون فمن ربكما يا موس كما يقول فتانا القبر للميت لا لجهله بما يقوله وإنما يريد أن يتنبه الحاضرون لما يقولانه مما يكون دليلا على وجود الله ليعلموا صدقهما لأن العاقل إذا علم أنهما إذ قالا مثل ذلك ربما إن الخواطر تتنبه ويدعوهم قولهما إلى النظر فيه لنصبهما في قولهما مواضع الدلالة على الله فإنه لا يسأل خصمه فدل سؤاله إنه يريد هداية من يفهم من قومه ما جاآ به فقالا ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فانصفا فرعون في هذا الخطاب وهذا من القول اللين فإنه دخل تحت قولهما كل شيء ادعاه فرعون فأعطاه الله خلقه فكان في كلامهما جواب فرعون لهما إذ كان ما جاء به فرعون خلق لله ثم زادهما في السؤال ليزيدا في الدلالة قال فما بال القرون الأولى فقالا علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى مثل ما نسيت أنت حتى ذكرناك فتذكرت فلو كنت إلها ما نسيت لأن الله قال لعله يتذكر ثم زاد في الدلالة بما قالا بعد ذلك إلى تمام الآية فما زال ذلك مضمرا في نفس فرعون لم يعطه حب الرياسة إن يكذب نفسه عند قومه فيما استخفهم به حتى أطاعوه فكانوا فاسقين فما شركه معهم في ضمير إنهم فلما رأى البأس قال منت فتلفظ باعتقاده الذي ما زال معه فقال له الله تعالى آلآن قلت ذلك فاثبت الله بقوله آلآن أنه آمن عن علم محقق والله أعلم وإن كان الأمر فيه احتمال وحقت الكلمة من الله وجرت سنته في عباده إن الإيمان في ذلك الوقت لا يدفع عن المؤمن العذاب الذي أنزله بهم في ذلك الوقت إلا قوم يونس كما لا ينفع السارق توبته عند الحاكم فيرفع عنه حد القطع ولا الزاني مع توبته عند الحاكم مع علمنا بأنه تاب بقبول التوبة عند الله وحديث ما عز في ذلك صحيح إنه تاب توبة لو قسمت على أهل مدينة لوسعتهم ومع هذا لم تدفع عنه الحد بل أمر صلى الله عليه وسلم برجمه كذلك كل من آمن بالله عنده رؤية البأس من الكفار إن الإيمان لا يرفع نزول البأس بهم مع قبول الله إيمانهم في الدار الآخرة فيلقونه ولا ذنب لهم فإنهم ربما لو عاشوا بعد ذلك اكتسبوا أوزارافار إن الإيمان لا يرفع نزول البأس بهم مع قبول الله إيمانهم في الدار الآخرة فيلقونه ولا ذنب لهم فإنهم ربما لو عاشوا بعد ذلك اكتسبوا أوزارا
إيها الخلق المسوى . . . كم تنادي كم تلوى
فلتبادر قبل يوم . . . ود فيه لو تسوى
بهم الأرض رجال . . . كغثاء كان أحوى
خلق الرحمن خلقا . . . مثل ما قال فسوى
ثم أعطاه اقتدارا . . . فسطا فكان أقوى
قال كن لكل شء . . . لم يكن وكان بلوى
صفحه ۵۱۶