1139

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

فهو الذي يعلم وقتا كما . . . يجهل في وقت ولا يعلم واعلم أيدك الله أن الأمر يعطي أنه لولا النور ما أدرك شيء لا معلوم ولا محسوس ولا متخيل أصلا وتختلف على النور الأسماء الموضوعة للقوى فهي عند العامة أسماء للقوى وعند العارفين أسماء للنور المدرك به فإذا أدركت المسموعات سميت ذلك النور سمعا وإذا أدركت المبصرات سميت ذلك النور بصرا وإذا أدركت الملموسات سميت ذلك المدرك به لمسا وهكذا المتخيلات فهو القوة اللامسة ليس غيره والشامة والذائقة والمتخيلة والحافظة والعاقلة والمفكرة والمصورة وكل ما يقع به إدراك فليس إلا النور وأما المدركات فلولا أنها في نفسها على استعداد به تقبل إدراك المدرك لها ما أدركت فلها ظهور إلى المدرك وحينئذ يتعلق بها الإدراك والظهور نور فلا بد أن يكون لكل مدرك نسبة إلى النور بها يستعد إلى أن يدرك فكل معلوم له نسبة إلى الحق والحق هو النور فكل معلوم له نسبة إلى النور فبالنور أدركت المحال ولولا ظهور المحال وقبوله بما هو عليه في نفسه لإدراك المدرك ما أدركته ولهذا ينسحب على كل قسم من أقسام العقل كما ينسحب عليها أيضا أعنى على الأقسام الوجوب فنقول محال على الواجب الوجود بالذات أن يقبل العدم ومحال على الممكن أن يقبل الوجود الذاتي ومحال على المحال أن يقبل الإمكان وكذلك تقول في الوجوب واجب للمكن أن يكون نسبة العدم إليه والوجود نسبة واحدة وواجب للمحال أن لا يوصف بالإمكان ولا نقل مثل هذا في الإمكان لا تقل ممكن للمحال أن يكون على كذا أو على كذا وممكن للواجب أن يكون على كذا أو على كذا فيدخل الممكن تحت حكم الواجب أو المحال ولا يدخل الواجب ولا المحال تحت حكم الممكن ولهذا لا يجوز أن يقال في الواجب أنه يمكن أن يفعل به كذا ولا يفعل وإنما الذي يقال ويصح أن يقال في الممكن أنه يمكن أن يفعل به كذا أو لا يفعل وهذه مسألة أغفلها كثير من الناس فقد علمت أنه ما ثم معلوم من محال أو غيره إلا وله نسبة إلى النور ولولا ذلك النور الذي له إليه نسبة ما صح أن يكون معلوما فلا معلوم إلا الله وعلى الحقيقة فلا يدري أحد ما يقول ولا كيف تنسب الأمور مع كونه يعقلها والعبارات تقصر عن الإحاطة بها على وجهها فإن الله عليم بكل شيء من حيث ما لذلك الشيء من النور الذي به يكون معلوما والعدم والمحال معلومان

فلا شيء غير الشيء إذ ليس غيره . . . فمن كونه نورا يحيط به العلم

فإذا حققت ما أشرنا إليه وقفت على حقائق المعلومات كيف هي في أنفسها في اتصافها بوجود أو عدم أو لا وجود ولا عدم أو نفي أو إثبات

فهذا هو العلم الغريب فإن تكن . . . من أصحابه أنت الغريب ولا تدري

كما ثم من يدري بغربته وذا . . . أتم وجودا في مطالعة الأمر

فسبحان من أحيا الفؤاد بنوره . . . ونوره بالفكر وقتا وبالذكر

وأما النور الذي لا يدرك وهو قوله صلى الله عليه سلم نور إني أراه فإن ذلك لاندراج نور الإدراك فيه فلم يدركه لأنه ليس هو عنه بأجنبي فهو كالجزء عاد إلى كله إذ لا يصح اسم الكل عليه ما لم يحو على أجزائه فاندرج الجزء في الكل وليس الكل غير أجزائه فالكل يدرك أجزاءه جزأ جزأ والجزء لا يدرك السكل ولهذا يعلم الحق الجزئيات ولا تعلمه الجزئيات وإذا علم الجزء الكل فما يعلم منه إلا عين جزئيته فإنه علم كل في نفسه لنفسه وقد لا يعلم أنه جزء لكل ولهذا تتفاضل الناس في العلم فالعالم بالشيء من لم يبق له في ذلك المعلوم وجه إلا علمه من هو إلا فقد علم منه ما علم وأما النور الذي يدرك ويدرك به غيره فهو نور مكافئ لنور الإدراك فيصحبه ولا يندرج فيه فيدركه ويدرك به ما كشفه له وما انكشف له ما انكشف إلا بالنورين نور الإدراك ونور المدرك ولولا وجود نور الإدراك لما ظهرت الأشياء فلا يظهر شيء بنور المدرك من غير نور الإدراك وقد يظهر بعض الأشياء لنور الإدراك ولكن بنور المدرك وإن لم يدركه به كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي لولاه ما علم فالبصر يدرك به كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي لولاها ما علم فالبصر يدرك الظلمة نفسها ولا يدرك بها غيرها إذا كان الإدراك بالبصر خاصة وأما الظلم المعنوية كظلمة الجهل فإنها مدركة للعالم ما لم تقم بالجاهل فإذا قامت به لم يدركها إذ لو أدركها كان عالما وما عدا ظلمة الجهل من الظلم فإنها تدرك كلها ثم لنعلم أنه إن كان الجهل نفى العلم عن المحل بأمر ما فكل ما سوى الله جاهل أي ظلمة الجهل له لازمة لأنه ليس له علم بإحاطة المعلومات ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم فقال له وقل رب زدني علما وإن كانت ظلمة الجهل عبارة عن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به أي شيء كان فأهل الله قد أخرجهم من هذه الظلمة فإنهم لا يعتقدون أمرا يكون في نفسه على خلاف ما يعتقدونه وقال تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ولم يذكر حقائق المسميات فعلم بعضا ولم يعلم بعضا فالمسميات هو قوله هؤلاء وهي المشار إليها في قوله تعالى أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين وأراد بالأسماء هنا الأسماء الإلهية بهؤلاء في إيجادهم وأحكامهم توبيخا للملائكة وتقريرا يقول هل سبحتموني بهذه الأسماء أو قدستموني بها حيث قالوا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فزكوا نفوسهم وجرحوا خليفة الله في أرضه ولم يكن ينبغي لهم ذلك ولكن لنعلم أن أحدا من العالم ما قدر الله حق قدره إذ لا أعلم من الملائكة بالله وما ينبغي لجلاله من التعظيم ومع هذا قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها فهذه الأداة هنا لا ينبغي أن تكون إلا من الأعلى في حق الأدنى مثل قوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله بل أشد من هذا هو قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها

صفحه ۲۷۰