فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
عن كل ما لا ينبغي . . . فإنه يجله فكل من في الوجود من المخلوقات يعبد الله على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن فإنه يعبده على المشاهدة ولا يكمل العبد يعبده على المشاهدة ولا يكمل العبد إلا بالإيمان فله النور الساطع الذي يزيل كل ظلمة فإذا عبده على الشهادة رآه جميع قواه فما قام بعبادته غيره ولا ينبغي أن يقوم بها سواه فما ثم من حصل له هذا المقام إلا المؤمن الإنساني فإنه ما كان مؤمنا إلا بربه فإنه سبحانه المؤمن واعلم أنك إذا لم تكن بهذه المنزلة ومالك قدم في هذه الدرجة فأنا أدلك على ما يحصل لك به الدرجة العليا وهو أن تعلم أن الله ما خلق الخلق على مزاج واحد بل جعله متفاوت المزاج وهذا مشهود بالبديهة والضرورة لما بين الناس من التفاوت في النظر العقلي والإيمان وقد حصل لك من طريق الحق أن الإنسان مرآة أخيه فيرى منه ما لا يراه الشخص من نفسه إلا بوساطة مثله فإن الإنسان محجوب بهواه متعشق به فإذا رأى تلك الصفة من غيره وهي صفته أبصر عيب نفسه في غيره فعلم قبحها إن كانت قبيحة أو حسنها إن كانت ذات حسن واعلم أن المرائي مختلفة الأشكال وأنها تصير المرئي عند الرائي بحسب شكلها من طول وعرض واستواء وعوج واستدارة ونقص وزيادة وتعدد وكل شيء يعطيه شكل تلك المرآة وقد علمت أن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم وكل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه الله في مزاجه في التركيب فما من نبي إلا بعث خاصة إلى قوم معينين لأنه على مزاج خاص مقصور وأن محمد صلى الله عليه وسلم ما بعثه الله إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة ولا قبل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبي ورسول فهو أعدل الأمزجة وأكملها وأقوم النشآت فإذا علمت هذا وأردت أن ترى الحق على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية فاعلم أنك ليس لك ولا أنت على مثل هذا المزاج الذي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك فإنما تظهر لك مرآتك على قدر مزاجها وصورة شكلها وقد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت لمحمد صلى الله عليه وسلم في العلم بربه في نشأته فالزم الإيمان والاتباع واجعله أمامك مثل المرآة التي تنظر فيها صورتك وصورة غيرك فإذا فعلت هذا علمت أن الله تعالى لا بد أن يتجلى لمحمد صلى الله عليه وسلم في مرآته وقد أعلمتك أن المرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي فيكون ظهور الحق في مرآة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل ظهور وأعدل له وأحسنه لما هي مرآته عليه فإذا أدركته في مرآة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أدركت منه كمالا لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك ألا ترى في باب الإيمان وما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول ولولا الشرع والإيمان به لما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئا ألبتة بل نرده ابتداء ونجهل القائل به فكما أعطاه بالرسالة والإيمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها ذلك من جانب الحق كذلك قصرت أمزجتنا ومرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك ما تجلى في مرآة محمد صلى الله عليه وسلم أن تدركه في مرآتها وكما آمنت به في الرسالة غيبا شهدته في هذا التجلي النبوي عينا
فلولاه ولولانا . . . لما كان الذي كانا
ولا جاءت رسالات . . . من الرحمن مولانا
بأخبار وأحكام . . . وسمي ذلك تبيانا
وتوراة وإنجيلا . . . وفرقانا وقرآنا
وسماه أولو الألبا . . . ب بالأفكار برهانا
وثلث ذاك إسلاما . . . وإيمانا وإحسانا
فسبحان الذي أسرى . . . به ليراه محسانا
وخص بصورة الرحم . . . ن من سماه إنسانا
وجاءت رسله تترى . . . زرافات ووحدانا
وأعطانا وحابانا . . . هنا ما شاء كتمانا
وجنات وأنهارا . . . وروحا ثم ريحانا
صفحه ۲۴۵