1055

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

لا تعبد الأقوام غير عقولهم . . . والناس بين مسلم ومعاند قال الله عز وجل وإلهكم إله واحد وقال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقال سبحانه إني جاعل في الأرض خليفة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء من قريش والتقرش والتقبض والاجتماع ولما كانت هذه القبيلة جمعت قبائل سميت قريشا أي مجموع قبائل ومنها حيوان بحري يقال له القرش رأيته وهو متقبض مجتمع وكذلك الإمام إن لم يكن متصفا بأخلاق من استخلفه جامعا لها مما يحتاج إليه من استخلف عليهم وإلا فلا تصح خلا فته فهو الواحد المجموع فأحديته أحدية الجمع وله من الأيام يوم الجمعة وهو الاجتماع في المصر على إمام واحد وله من الأحوال الصلاة لأنه لا يقيمها إلا إمام واحد في الجماعة يكون أقرأهم أي أكثرهم جمعا للقرآن وله من مراتب العلوم علوم الأنوار وإن لم يعط علوم الأسرار فلا يبالي صاحب هذا المقام فإن الصلاة نور والنور يهتدي به ولا بد للإمام من نور يكشف به ويمشي به في العالم الذي ولاه الله عليهم وقد توفرت همم العالم في كل قرية أو بلدة أو جماعة أن يكون لهم رأس يرجعون إليه ويكونون تحت أمره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية ولو كانت السرية رجلين أمر أحدهما وهو مقام شريف له علم خاص من كان فيه ذلك العلم ينبغي أن يكون إماما ألا ترى لما طعنت الصحابة في إمارة أسامة بن زيد لما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش فبرز خارج المدينة وأمره أن يطأ بجيشه ذلك أرض الروم وفي جملة الجيش أبو بكر وعمر فقال صلى الله عليه وسلم للطاعنين في إمارته طال والله ما طعنتم في إمارة أبيه قبل ذلك أما والله أنه لخليق بها أو جدير بها وقد طعنت الملائكة في خلافة آدم عليه السلام وعليهم فأجابهم الله على ذلك كما أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أسامة تخلقا بأخلاق الله في ذلك واتخاذ الإمام واجب شرعا مع كونه موجودا في فطرة العالم أعني طلب نصب الإمام فإن قلت فما نص الشارع بالأمر على اتخاذ الإمام فمن أين يكون واجبا قلنا أن الله تعالى قد أمر بإقامة الدين بلا شك ولا سبيل إلى إقامته إلى بوجود الأمان في أنفس الناس على أنفسهم وأموالهم وأهليهم من تعدى بعضهم على بعض وذلك لا يكون أبدا ما لم يكن ثم من تخاف سطوته وترجى رحمته يرجع أمرهم إليه ويجتمعون عليه فإذا تفرغت قلوبهم من الخوف الذي كانوا يخافونه على أموالهم ونفوسهم وأهليهم تفرغوا إلى إقامة الدين الذي أوجب الله عليهم إقامته وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب فاتخاذ الإمام واجب ويجب أن يكون واحدا لئلا يختلفا فيؤدي إلى امتناع وقوع المصلحة وإلى الفساد فقد تبين لك ما المراد بتوحيد الله الذي أمرنا بالعلم به أنه توحيد الألوهية له سبحانه لا إله إلا هو قال تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله ولم يقل فاعلم أنه لا تنقسم ذاته ولا أنه ليس بمركب ولا أنه مركب من شيء ولا أنه جسم ولا أنه ليس بجسم بل قال في صفته أنه ليس كمثله شيء ولما لم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم ولا أمرهم الله في كتابه بالنظر الفكري إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة فلا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فزادوا في النظر وخرجوا عن المقصود الذي كلفوه فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه ونفت عنه طائفة أخرى تلك الصفات ولم ينفها عن نفسه ولا نص عليها في كتابه ولا على ألسنة أنبيائه ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلق على نفسه وإن كان اسم تنزيه ولكنه فضول من القائل به والخائض فيه ثم أخذوا يتكلمون في ذاته وقد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل وتعالى وقد قال سبحانه ويحذركم الله نفسه أي لا تتعرضوا للتفكر فيها فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع بالخوض فيما نهوا عنه فمن قائل هو جسم ومن قائل ليس بجسم ومن قائل هو جوهر ومن قائل ليس بجوهر ومن قائل هو في جهة ومن قائل ليس في جهة وما أمر الله أحدا من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة لا النافي ولا المثبت ولو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها ولو قيل لهذا الخائض كيف تدبير نفسك لبدنك وهل هي داخلة فيه أو خارجة عنه أو لا داخلة ولا خارجة وانظر بعقلك في ذلك وهل هذا الزائد الذي يتحرك به هذا الجسم الحيواني ويبصر ويسمع ويتخيل ويتفكر لماذا يرجع هل لواحد أو لكثيرين وهل يرجع إلى عرض أو إلى جوهر أو إلى جسم وتطلبه الأدلة العقلية على ذلك دون الشرعية ما وجد لذلك دليلا عقليا أبدا ولا عرف بالعقل أن للأرواح بقاء ووجودا بعد الموت وكل ما اتخذوه دليلا في ذلك مدخول لا يقوم على ساق فما من أخذ فيه إلا وهو ممكن والممكن لا يقوم دليل عقلي على وجوب وجوده ولا وجوب عدمه إذ لو كان كذلك لاستحالت حقيقة إمكانه فما لنا إلا ما نص عليه الشرع فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه فإن المدة يسيرة والأنفاس نفائس وأمضى منها لا يعود فاعلم أن الله إله واحد لا إله إلا هو مسمى بالأسماء التي يفهم منها ومن معانيها أنها لا تنبغي إلا له ولمن تكون له هذه المرتبة ولا تتعرض يا ولي للخوض في الماهية والكمية والكيفية فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته والزم طريقة الإيمان والعمل بما فرض الله عليك واذكر ربك بالغدو والإصال بالذكر الذي شرعه لك من تهليل وتسبيح وتحميد واتق الله فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاء من علمه فأحضر عقلك ولبك لقبول ما يعطيك ويهبك من العلم به فذلك هو النافع وهو النور الذي يحيى به قلبك وتمشي به في عالمك وتأمن فيه من ظلم الشبه والشكوك التي تطرأ في العلوم التي تنتجها الأفكار فإن النور هو النفور منفر الظلم في المحل الذي يظهر فيه فلو كان هذا العلم الذي أعطاه التفكر في الله نورا كما يزعم ما طرأ على المحل ظلمة شبهة ولا ظلمة تشكيك أصلا وقد طرأت والظلمة ليس من شأنها أن تنفر النور ولا لها سلطان عليه وإنما السلطان للنور المنفر الظلم فدل ذلك على أن علوم التكلمين في ذات الله والخائضين فيه ليست أنوارا وهم يتخيلون قبل ورود الشبهة أنهم في نور وعلى بينة من ربهم في ذلك فلا يبدو لهم نقصهم حتى ترد عليهم الشبهة وما يدريك لعل تلك الشبهة التي يزعمون أنها شبهة هي الحق والعلم فإنك تعلم قطعا أن دليل الأشعري في إثبات المسئلة التي ينفيها المعتزلي هو الحق وأنه شبهة عند المعتزلي ودليل المعتزلي الذي ينفي به ما يثبته الأشعري شبهة عند الأشعري ثم إنه ما من مذهب إلا وله أئمة يقومون به وهم فيه مختلفون وإن اتصفوا جميعهم مثلا بالأشاعرة فيذهب أبو المعالي خلاف ما ذهب إليه القاضي ويذهب القاضي إلى مذهب يخالف فيه الأستاذ ويذهب الأستاذ إلى مذهب في مسئلة يخالف فيه الشيخ والكل يدعي أنه أشعري وكذلك المعتزلة وكذلك الفلاسفة في مقالاتهم في الله وفيما ينبغي أن يعتقد ولا يزالون مختلفين مع كون كل طائفة يجمعها مقام واحد واسم واحد وهم مختلفون في أصول ذلك المذهب الذي جمعهم فإن الفروع لا تعتبر ورأينا المسلمين رسلا وأنبياء قديما وحديثا من آدم إلى محمد ومن بينهما عليهم الصلاة والسلام ما رأينا أحدا منهم قط اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب الله بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا ولا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده وعلمه بربه شبهة قط فانفصل عنها بدليل ولو كان لنقل ودون ونطقت به الكتب كما نقل سائر ما تكلم فيه من ذلك ممن تكلم فيه ولا سيما والأنبياء تحكمت في العامة في أنفسها وأموالها وأهليها وحجرت وأباحت وأوجبت ولم يكن لغيرها هذه القوة من التحكم فكانت الدواعي تتوفر على نقل ما اختلفوا فيه في جانب الحق لأنهم ينتمون إليه ويقولون أنه أرسلهم وأتوا بالدلائل على ذلك من المعجزات ولا نقل عن أحد منهم أنه طرأت عليه شبهة من علمه بربه ولا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك وكذلك أهل الكشف المتقون من أتباع الرسل ما اختلفوا في الله أي في علمهم به ولا نقل عن أحد منهم ما يخالف به الآخر فيه من حيث كشفه وإخباره ولا من حيث فكره فإن ذلك يدخل مع أهل الأفكار فهذا مما يدلك على أن علومهم كانت أنوارا لم تتمكن لشبهة أن تتعرض إليهم جملة واحدة فقد علمت أن النور إنما اختص بأهل النور وهم الأنبياء والرسل ومن سلك على ما شرعوه ولم يتعد حدود ما قرروه واتقوا الله ولزموا الأدب مع الله فهم على نور من ربهم نور على نور ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا يعني في نعت الحق وما يجب له فإن الناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته فيخرج من أمر إلى نقيضه وقد دللتك يا أخي على طريق العلم النافع من أين يحصل لك فإن سلكت على صراطه المستقيم فاعلم أن الله قد أخذ بيدك واعتنى بك واصطنعك لنفسه فالله يحول بيننا وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه وقد بان لك بما ذكرناه أنه ما دخل عليهم ما دخل إلا من الفضول ولهذا وقع الخلاف ولعبت بهم الأفكار والأهواء ألا نرى الأمر الذي أباح لهم الشارع أن يطلبوا علمه ما اختلف فيه اثنان منهم فلو طب منهم غير ذلك مما اختلفوا فيه ما اختلفوا أيضا فيه فدل ذلك على أنه ما طلب الحق منهم ذلك فإن قلت فما هو الذي اتفقوا فيه قلنا اجتمعت الأدلة العقلية من كل طائفة بل من ضرورات العقول أن لهم موجد أوجدهم يستندون إليه في وجودهم وهو غني عنهم ما اختلف في ذلك اثنان وهو الذي طلب الحق من عباده إثبات وجوده فلو وقفوا هنا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا وإنما الإنسان خلق عجولا ورأى في نفسه قوة فكرية فتصرف بها في غير محلها فتكلم في الله بحسب ما أعطاه نظره والأمزجة مختلفة والقوة المفكرة متولدة من المزاج فيختلف نظرها باختلاف مزاجها فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته فالله يرشدنا ويجعلنا ممن جعل الحق أمامه والتزم ما شرع له ومشى عليه إنه المليء بذلك لا رب غيره فاعلم يا ولي أن الله ما بعث الرسل سدى ولو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل وكان وجود الرسل عبثا ولكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا ولا نشبهه ولو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة في هذا المقام أنه ليس مثلنا ولا تجمعنا حقيقة واحدة فبالضرورة يجهل الإنسان مآله وإلى أين ينتقل وما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه لأنه يجهل علم الله فيه لا يعرف ما يريد به ولا لماذا خلقه تعالى فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك فلو شاء تعالى عرف كل شخص بأسباب سعادته وأبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها ولكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها قدمه عليها وأمرها باتباعه والدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها ثم أيده بالبينة والآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها وإنما قلنا من جنسها لأنه كذا وقع الأمر قال تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا أي لو كان الرسول للبشر ملكا لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك فإن الحسد على المرتبة إنما يقع بين الجنس وقال تعالى لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ولنا في ذلك يحصل لك فإن سلكت على صراطه المستقيم فاعلم أن الله قد أخذ بيدك واعتنى بك واصطنعك لنفسه فالله يحول بيننا وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه وقد بان لك بما ذكرناه أنه ما دخل عليهم ما دخل إلا من الفضول ولهذا وقع الخلاف ولعبت بهم الأفكار والأهواء ألا نرى الأمر الذي أباح لهم الشارع أن يطلبوا علمه ما اختلف فيه اثنان منهم فلو طب منهم غير ذلك مما اختلفوا فيه ما اختلفوا أيضا فيه فدل ذلك على أنه ما طلب الحق منهم ذلك فإن قلت فما هو الذي اتفقوا فيه قلنا اجتمعت الأدلة العقلية من كل طائفة بل من ضرورات العقول أن لهم موجد أوجدهم يستندون إليه في وجودهم وهو غني عنهم ما اختلف في ذلك اثنان وهو الذي طلب الحق من عباده إثبات وجوده فلو وقفوا هنا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا وإنما الإنسان خلق عجولا ورأى في نفسه قوة فكرية فتصرف بها في غير محلها فتكلم في الله بحسب ما أعطاه نظره والأمزجة مختلفة والقوة المفكرة متولدة من المزاج فيختلف نظرها باختلاف مزاجها فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته فالله يرشدنا ويجعلنا ممن جعل الحق أمامه والتزم ما شرع له ومشى عليه إنه المليء بذلك لا رب غيره فاعلم يا ولي أن الله ما بعث الرسل سدى ولو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل وكان وجود الرسل عبثا ولكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا ولا نشبهه ولو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة في هذا المقام أنه ليس مثلنا ولا تجمعنا حقيقة واحدة فبالضرورة يجهل الإنسان مآله وإلى أين ينتقل وما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه لأنه يجهل علم الله فيه لا يعرف ما يريد به ولا لماذا خلقه تعالى فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك فلو شاء تعالى عرف كل شخص بأسباب سعادته وأبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها ولكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها قدمه عليها وأمرها باتباعه والدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها ثم أيده بالبينة والآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها وإنما قلنا من جنسها لأنه كذا وقع الأمر قال تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا أي لو كان الرسول للبشر ملكا لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك فإن الحسد على المرتبة إنما يقع بين الجنس وقال تعالى لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ولنا في ذلك خليفة القوم من أبناء جنسهم . . . لأن ذلك أنكى في نفوسهم

لو لم يكن منهم لصدقوه ولم . . . يقم بهم حسد لغير جنسهم

صفحه ۸۲