فرق الشيعة

فرق الشيعة

ناشر

دار الأضواء

سال انتشار

1404هـ - 1984م

محل انتشار

بيروت

فرق الشيعة إدخال أسامة أبو بكر

صفحه ۱

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد فإن فرق الأمة كلها المتشيعة وغيرها اختلفت في الإمامة في كل عصر ووقت كل إمام بعد وفاته وفي عصر حياته منذ قبض الله محمد صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا في كتابنا هذا ما يتناهى إلينا من فرقها وآرائها واختلافها وما حفظنا مما رؤي لنا من العلل التي من أجلها تفرقوا واختلفوا وما عرفنا في ذلك من تاريخ الأوقات وبالله التوفيق ومنه العون

صفحه ۲

قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته عليه السلام ثلاثا وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، فافترقت الأمة ثلاث فرق ( فرقة منها ) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها ، ( وفرقة منهم ) ادعت الإمرة والسلطان وهم الأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجى ، ( وفرقة ) مالت إلى أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته ، واعتل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبو عبيده بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجى والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي عليه السلام قال : الأئمة من قريش وقال بعضهم أنه قال : الإماة لا تصلح إلا في قريش فرجعت فرقة الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغما لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت

صفحه ۴

( قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده

ورميناه بسهمين فلم نخطي فؤاده ) وهذا قول فيه بعد النظر الخ لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم ، فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما ، وقد كانت فرقة اعتزلت عن أبي بكر فقالت لا نؤدي الزكوة إليه حتى يصح عندنا لمن الأمر ومن استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ونقسم الزكوة بين فقرائنا وأهل الحاجة منا ، وارتد قوم فرجعوا عن الإسلام ودعت بنو حنيفة إلى نبوة مسيلمة وقد كان ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث أبو بكر إليهم الخيول عليها خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي فقاتلهم وقتل مسيلمة وقتل من قتل ورجع من رجع منهم إلى أبي بكر فسموا أهل الردة ولم يزل هؤلاء جميعا على أمر واحد حتى نقموا على عثمان بن عفان أمورا أحدثها وصاروا بين خاذل وقاتل إلا خاصة أهل بيته وقليلا من غيرهم حتى قتل ، فلما قتل بايع الناس عليا عليه السلام فسموا الجماعة ثم افترقوا بعد ذلك فصاروا ثلاث فرق : ( فرقة ) أقامت على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ( وفرقة ) منهم اعتزلت مع سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد ابن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي عليه السلام وامتنعوا من محاربته والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضاء به فسموا المعتزلة وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الابد وقالوا : لا يحل قتال علي ولا القتال معه ، وذكر بعض أهل العلم أن الأحنف بن قيس التميمي اعتزل بعد ذلك في خاصة قومه من بني تميم لا على التدين بالاعتزال لكن على طلب السلامة من القتل وذهاب المال وقال لقومه : اعتزلوا الفتنة أصلح لكم ، ( وفرقة ) خالفت عليا عليه السلام وهم طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وعائشة بنت أبي بكر فصاروا إلى البصرة فغلبوا عليها وقتلوا عمال علي عليه السلام بها وأخذوا المال فسار إليهم علي عليه السلام فقتل طلحة والزبير وهزموا وهم أصحاب الجمل وهرب قوم منهم فصاروا إلى معاوية بن أبي سفيان ومال معهم أهل الشام وخالفوا عليا ودعوا إلى الطلب بدم عثمان وألزموا عليا وأصحابه دمه ثم دعوا إلى معاوية وحاربوا عليا وهم أهل صفين ، ثم خرجت فرقة ممن كان مع علي عليه السلام وخالفته بعد تحكيم الحكمين بينه وبين معاوية وأهل الشام وقالوا : لا حكم إلا لله وكفروا عليا عليه السلام وتبرؤا منه وأمروا عليهم ذا الثدية وهم المارقون ، فخرج علي عليه السلام فحاربهم بالنهروان فقتلهم وقتل ذا الثدية فسموا الحرورية لوقعة حروراء وسموا جميعا الخوارج ومنهم افترقت فرق الخوارج كلها فلما قتل علي عليه السلام التقت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان إلا القليل منهم من شيعته ومن قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كل من غلب أعني الذين التقوا مع معاوية فسموا جميعا المرجئة لأنهم توالوا المختلفين جميعا وزعموا أن أهل القبلة كلهم مؤمنون بإقرارهم الظاهر بالإيمان ورجوا لهم المغفرة

صفحه ۶

وافترقت المرجئة بعد ذلك فصارت إلى ( أربع فرق ) : ( فرقة ) منهم غلوا في القول وهم الجهمية أصحاب جهم بن صفوان وهم مرجئة أهل خراسان ( وفرقة ) منهم الغيلانية وهم أصحاب غيلان بن مروان وهم مرجئة أهل الشام ( وفرقة ) منهم الماصرية أصحاب عمرو ابن قيس الماصر وهم مرجئة أهل العراق منهم أبو حنيفة ونظراؤه ، ( وفرقة ) منهم يسمون ( الشكاك ) ( والبترية ) أصحاب الحديث منهم ( سفيان بن سعيد الثوري ) ( وشريك بن عبد الله ) ( وابن أبي ليلي ) و ( محمد بن إدريس الشافعي ) و ( مالك بن أنس ) ونظراؤهم من أهل الحشو والجمهور العظيم وقد سموا ( الحشوية )

فقالت أوائلهم في الإمامة : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يستخلف علي دينه من يقوم مقامه في لم الشعث وجمع الكلمة والسعي في أمور الملك والرعية وإقامة الهدنة وتأمير الأمراء وتجييش الجيوش والدفع عن بيضة الإسلام وردع المعاند وتعليم الجاهل وإنصاف المظلوم وجوزوا فعل هذا الفعل لكل إمام أقيم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم

صفحه ۷

ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم على الناس أن يجتهدوا آرائهم في نصب الإمام وجميع حوادث الدين والدنيا إلى اجتهاد الرأي ، وقال بعضهم : الرأي باطل ولكن الله عز وجل أمر الخلق أن يختاروا الإمام بعقولهم ، وشذت طائفة من المعتزلة عن قول أسلافها فزعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على صفة الإمام ونعته ولم ينص على إسمه ونسبه وهذا قول أحدثوه قريبا ، وكذلك قالت جماعة من أهل الحديث هربت حين عضها حجاج الإمامية ولجأت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بأمره إياه بالصلوة وتركت مذهب أسلافها في أن المسلمين بعد وفاة الرسول عليه السلام رضينا لدنيانا بإمام رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا

واختلف أهل الإهمال في إمامة الفاضل والمفضول فقال أكثرهم : هي جائزة في الفاضل والمفضول إذا كانت في الفاضل علة تمنع من إمامته ، ووافق سائرهم أصحاب النص على أن الإمامة لا تكون إلا للفاضل المتقدم

واختلف الكل في الوصية فقال أكثر أهل الإهمال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص إلى أحد من الخلق ، فقال بعضهم قد أوصى علي معنى أنه أوصى الخلق بتقوى الله عز وجل

صفحه ۸

ثم اختلفوا جميعا في القول بالإمامة وأهلها فقالت ( البترية ) وهم أصحاب ( الحسن بن صالح بن حي ) ومن قال بقوله أن عليا عليه السلام هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالإمامة وأن بيعة أبي بكر ليست بخطأ ووقفوا في عثمان وثبتوا حزب علي عليه السلام وشهدوا على مخالفيه بالنار واعتلوا بأن عليا عليه السلام سلم لهما ذلك فهو بمنزلة رجل كان له على رجل حق فتركه له

وقال ( سليمان بن جرير الرقي ) ومن قال بقوله أن عليا عليه السلام كان الإمام وأن بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ ولا يستحقان اسم الفسق عليها من قبل التأويل لأنهما تأولا فأخطئا وتبرؤوا من عثمان فشهدوا عليه بالكفر ومحارب علي عليه السلام عندهم كافر

وقال ابن التمار ومن قال بقوله أن عليا عليه السلام كان مستحقا للإمامة وأنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في توليتها أبا بكر وعمر ولكنها مخطئة بترك الأفضل وتبرؤا من عثمان ومن محارب علي عليه السلام وشهدوا عليه بالكفر

صفحه ۹

وقال ( الفضل الرقاشي ) و ( أبو شمر ) و ( غيلان بن مروان ) و ( جهم بن صفوان ) ومن قال بقولهم من المرجئة أن الإمامة يستحقها كل من قام بها إذا كان عالما بالكتاب والسنة وأنه لا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمة كلها وقال أبو حنيفة وسائر المرجئة : لا تصلح الإمامة إلا في قريش كل من دعا منهم إلي الكتاب والسنة والعمل بالعدل وجبت إمامته ووجب الخروج معه وذلك للخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش

وقالت الخوارج كلها إلا النجدية منهم الإمامة تصلح في أفنآء الناس كلهم من كان منهم قائما بالكتاب والسنة عالما بهما وأن الإمامة تثبت بعقد رجلين

وقالت النجدية من الخوارج الأمة غير محتاجة إلي إمام ولا غيره وإنما علينا وعلى الناس أن نقيم كتاب الله عز وجل فيما بيننا

وقالت المعتزلة أن الإمامة يستحقها كل من كان قائما بالكتاب والسنة فإذا اجتمع قرشي ونبطي وهما قائمان بالكتاب والسنة ولينا القرشي والإمامة لا تكون إلا بإجماع الأمة واختيار ونظر

صفحه ۱۰

وقال ضرار بن عمرو إذا اجتمع قرشي ونبطي ولينا النبطي وتركنا القرشي لأنه أقل عشيرة وأقل عددا فإذا عصى الله وأردنا خلعه كانت شوكته أهون وإنما قلت ذلك نظرا للإسلام

وقال إبراهيم النظام ومن قال بقوله الإمامة تصلح لكل من كان قائما بالكتاب والسنة لقول الله عز وجل إن أكرمكم عند الله أتقاكم وزعموا أن الناس لا يحب عليهم فرض الإمامة إذا هم أطاعوا الله وأصلحوا سرائرهم وعلانيتهم فإنهم لن يكونوا كذا إلا وعلم الإمام قائم باضطرار يعرفون عينه فعليهم اتباعه ولن يجوز أن يكلفهم الله عز وجل معرفته ولم يضع عندهم علمه فيكلفهم المحال ،

صفحه ۱۱

وقالوا في عقد المسلمين الإمامة لأبي بكر أنهم قد أصابوا في ذلك وأنه كان أصلحهم في ذلك الوقت بالقياس والخبر ، أما القياس فإنه لما وجد أن الإنسان لا يعمد إلى الذل لرجل ولا يتابعه في كل ما قال إلا من ثلاث طرق إما أن يكون رجلا له عشيرة تعينه على استعباد الناس أورجلا عنده مال فيبذل الناس له لماله أو دين برز فيه على الناس ، فلما وجدنا أبا بكر أقلهم عشيرة وأفقرهم علمنا أنه إنما قدم للدين ، وأما الخبر فاجتماع الناس عليه ورضاهم بإمامته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الله تبارك وتعالى ليجمع أمتي على ضلال ولو كان اجتماع الناس عليه خطأ لكان في ذلك فساد الصلاة وجميع الفرائض وإبطال القرآن وهو الحجة علينا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه علة المعتزلة والمرجئة بأجمعهم

صفحه ۱۲