Fiqh As-Seerah
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ناشر
دار الفكر
ویراست
الخامسة والعشرون
سال انتشار
١٤٢٦ هـ
محل انتشار
دمشق
مناطق
سوریه
واستبشر الناس خيرا بخروجه ﷺ إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس. روى ابن مسعود ﵁ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال ﷺ: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ ..
فقال رسول الله ﷺ: أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» «١٢» .
كان ﷺ أثناء ذلك يطرح خميصة (غطاء) له على وجهه، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ١٣، كأنه ﷺ يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به.
رسول الله ﷺ وسكرة الموت
وذلك هو حكم الله في عباده كلهم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر ﵁، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، فقد ظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١٤» .
وانصرف الناس من صلاتهم، وهم يحسبون أن النبي ﷺ قد نشط من مرضه. ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه ﷺ إلى أصحابه، فقد عاد ﵊ فاضطجع إلى حجر عائشة ﵂، وأسندت ﵂ رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت، قالت: «وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» «١٥» . وكانت فاطمة ﵂ إذا رأت منه ذلك قالت:
وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث.
(١٢) و(١٣) متفق عليه.
(١٤) رواه الشيخان.
(١٥) رواه البخاري في باب مرض الرسول ﷺ ووفاته، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق: ٧/ ١٩٢، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
1 / 336