153

Fiqh As-Seerah

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ناشر

دار الفكر

شماره نسخه

الخامسة والعشرون

سال انتشار

١٤٢٦ هـ

محل انتشار

دمشق

ژانرها

فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» .. وظل يناشد الله متضرعا وخاشعا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر ﵁، فالتزمه من ورائه وقال له: «يا رسول الله! أبشر فو الذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك» . وأقبل المسلمون أيضا يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة «٣» .
وفي صبيحة يوم الجمعة لسنتين خلتا من الهجرة بدأ القتال بين المشركين والمسلمين، وأخذ النّبي ﷺ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا وقال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها فلم يبق فيهم رجل إلا امتلأت عيناه منها، وأيّد الله المسلمين بالملائكة يقاتلون إلى جانبهم «٤»، وانحسر القتال عن نصر كبير للمسلمين، وقتل في تلك الموقعة سبعون من صناديد المشركين، وأسر سبعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا.
وألقيت جثث المشركين الذين صرعوا في هذه الغزوة- وفيهم عامة صناديدهم- في قليب بدر وقام رسول الله ﷺ على ضفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟»، فقال عمر: «يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟»، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٥» .
واستشار النّبي ﷺ أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه أبو بكر ﵁ أن يأخذ منهم فدية من المال تكون قوة للمسلمين ويتركهم عسى الله أن يهديهم، وأشار عمر بن الخطاب ﵁ بقتلهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده، ولكن النّبي ﷺ مال إلى ما رآه أبو بكر من الرحمة بهم وافتدائهم بالمال، وحكم فيهم بذلك. غير أن آيات من القرآن نزلت عتابا لرسول الله ﷺ في ذلك، وتأييدا للرأي الذي رآه عمر من قتلهم، وهي من قوله تعالى:
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا «٦» [الأنفال ٨/ ٦٧] .
العبر والعظات:
تنطوي غزوة بدر الكبرى على دروس وعظات جليلة، كما تتضمن معجزات باهرة تتعلق بتأييد الله ونصره للمؤمنين المتمسكين بمبادئ إيمانهم المخلصين في القيام بمسؤوليات دينهم.

(٣) ابن هشام: ١/ ٢٠٥، وزاد المعاد: ٢/ ٨٧، وحديث استغاثة الرسول بربّه في غزوة بدر متفق عليه.
(٤) حديث تأييد للمؤمنين بالملائكة في بدر متفق عليه.
(٥) البخاري: ٥/ ٨، وروى مسلم نحوه في ٨/ ١٦٣
(٦) صحيح مسلم: ٥/ ١٥٧- ١٥٨

1 / 158