598

در ادبیات مدرن

في الأدب الحديث

ژانرها
literary history
مناطق
مصر

ويقول على لسان متصوف فاسق، يتظاهر بالصلاح والتقوى، وهو مغرم بغلام1، وفي أضرحة الأولياء والتمسح بها2، ولكن حافظا لا ينسى بعض مظاهر النهضة، وإن لم يفض فيها أو يتتبعها كما تتبعها شوقي، فيقول في مشروع الجامعة قصيدتين، الأولى سنة 1907، والثانية 1908، ويقول في معاهد البنات المختلفة أكثر من قصيدة، ويرى النهضة الدينية تقوى في مصر ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، ويفطن كثير من مصلحي هذه الأمة إلى أن الدين عصمة من المفاسد التي طغى طوفانها في خلال الحرب العالمية الأولى، وكثرة الواردين على مصر من مختلف الجيوش المحاربة، واستحكام الغلاء، وبيع الضمائر، والاستهتار بالتقاليد، وكانت ثورة عامة في العالم أجمع، عصفت بالقيم الخلقية، والفضائل السامية، واشتد طغيان المادة، والإقبال على لذاذات الحياة، وجرت مصر في هذا التيار، وخشي بعض المصلحين أن تنهار البقية الباقية من أخلاق الشباب، الذين ألفوا التسكع في الطرقات والتطرى كما يتطرى النساء، والتهجم على الحرمات، فأسست جمعية الشبان المسلمين في سنة 1927، وهرع الشباب إليها من كل صوب وحدب بالمئات والألوف وظلت سنوات تعمل على إيقاظ الشعور الديني في الناشئة، ذلك الشعور الذي حاول المستعمر الغاصب أن يقضي عليه منذ وطئت أقدامه أرض مصر، بفرضه التعليم باللغة الإنجليزية ومحاولة إضعاف اللغة العربية، لغة القرآن، وباهتمامه في برامجه بالتافه من المعلومات التي لا تقوم خلقا، ولا تهذب نفسا، ولا تنمي فضيلة، ولا تخلق رجالا، وزاد الأمر سوءا إهماله التعليم الديني في المدارس المدنية، فلم يعد # ثمة ما يغري الطالب بالتمسك بدينه، لا قدوة حسنة يراها، ولا تعليما يغذي مشاعره، ولا ضرورة تحفزه على دراسته.

إن أخوف ما كان يخافه المستعمرون هو قوة الشعور الديني الإسلامي في مصر؛ لأن الإسلام دين يدعو إلى العزة والكرامة، ويأبى على المسلم أن يخضع لسواه، وأن يذل، وفي يقظة الشعور الديني استرجاع لماضي هذه الأمة المجيدة، وتذكر لما كانت عليه من عظمة وعلم وقوة، وتحسر على ما آلت إليه من استعباد وخزي، ولذلك ترى هؤلاء المستعمرين الذين جابوا هذه البلاد مرات ومرات، وطمعوا فيها منذ القرن العاشر والحادي عشر إبان الحروب الصليبية، ولم يرد طوفانهم إلا قوة الإسلام وإخوته، يعملون جهودهم على إضعاف هذه الروح في نفوس شباب البلاد التي يحتلونها: لهذه الأسباب، ولأنهم يخشون كل الخشية أن يعم هذا الشعور بلدان الإسلام التي سعوا إلى احتلالها، وإضعاف قوتها، فتتحد فيما بينها، وتهب قوية فتية تطردهم من ديارهم شر طردة، وتستعيد مجدها السالف، وهي غنية بجيرانها، وتستطيع بما فيها من قوى مادية ومعنوية أن تغير مصير العالم إن أرادت. فظن المستعمرون لكل هذا، فأغرونا بزبرج الحضارة الأوربية، وأكثروا من مفسادها فيما بيننا، بل عملوا على استيراد هذه المفاسد حتى تخف وطأة الدين والأخلاق على نفوسنا، ونستمرئ اللهو والعبث، وننسى ذلك الماضي الرائع، والجهاد الشاق، والصراع الطويل المراد بيننا وبينهم.

صفحه ۲۱۱