ومن هؤلاء العلماء فيكتور بيرار Victor Berard الفرنسي مترجم الإلياذة وشارحها، ثم جولنيشيف M.W.Golenicheff الروسي أحد علماء المصرولوجيا، وقد أثبت عبد القادر حمزة باشا1 النصوص المصرية القديمة التي عثر عليها هذان العالمان، والتي لها مشابه في الإلياذة، كما أورد الأدلة القاطعة التي لا يأتيها الشك على تلمذة اليونان للمصريين، ومن علمائهم ومشريعهم وأدبائهم ومؤرخيهم أتى مصر وتأثر بما فيها من علوم ومعارف, ودرس على أساتذتها وكهنتها, وهو فصل ممتع حقا ولولا خشية الإطالة للخصناه تتمة للبحث، ولكن هذا الجزء أوشك على الانتهاء وهناك بعض نقط تحتاج إلى نظرة قبل أن نفرغ منه، وحسبنا أن نقول كما قال الأستاذ العقاد2 في بدعة السامية والآرية واختلاف العقليتين، وكيف ظهرت هذه البدعة: "ونشأت في إبان ذلك بدعة الآرية والسامية، وهي تلك البدعة التي تقضي للآريين بالسبق والرجحان في كل فضيلة من فضائل الأمم أو فضائل الأفراد، وقد ظهر بطلانها الآن، أو ظهر على الأقل أن الحاجز الذي أقامه مبتدعوها بين أجناس الشعوب مصطنع ملفق لا يسلم من ثغرة شك هنا أو ثلمة ضعف هناك، بل هو ينعكس في أحوال شتى, فتصبح المزية للساميين من حيث أرادها القوم للآريين، ولكن البدعة قد خدعت أناسا كثيرين في إبان نشأتها, فتحدثوا عنها كتحدث الناس بالغرائب والملح المستطرفة، ومازالت تجني على الأفكار، حتى أوغل فهيا بعض الغلاة من دعاتها # فاستخرجوا منها دليلا على رجحان بعض الأمم الأوربية على بعض، واستئثار جماعة من تلك الأمم بشرف السيادة والابتكار, وشعائر الحضارة والثقافة دون الجماعة الأخرى, فتصدى لها يومئذ من الأوربيين من ينكرها ويزيفها ويبالغ في السخر بها, بعد أن كانوا يتفقون على تروجيها، والإغضاء عنها حين كانت معرفتها لاصقة بالشرق وحده موقوفة عليه دون غيره".
وبحسبي الآن ماسقته من أدلة1 على أن أسطورة العقلية السامية والآرية لا تثبت أمام الأدلة العلمية، وأن القصة، على الرغم من وجودها في الأدب العربي كما هي موجودة عند كل الأمم، وإن لم تأخذ القالب الفني الذي لم يظهر بالقصص الأوربي إلا في أواسط القرن الثامن عشر, لا تحتل هذه المكانة الممتازة في عالم الأدب، ولا يوصف من لم ينبغ في تأليفها بعقم الخيال وجمود العاطفة وضحالة الفكر.
وكم كان بودي أن أفيض في أدب القصة, وأبين أصولها وكيفية إنشائها, ولكن هذا يحتاج إلى كتاب قائم بنفسه, وإنما دعاني إلى الخوض في القصة على هذه الطريقة إقبال المترجمين في العهد الذي نتحدث عنه عليها إقبالا زائدا، وتأثر الأدب العربي الحديث بها بعد ذلك تاثرا بالغا، حتى دعا ذلك إلى القول بأنها لم يكن موجودة عند العرب, وأن العقلية السامية لا تستطيع إنتاج القصة لما بها من فقر في الخيال, وقد مر بك قبل عند كلامنا على الترجمة الجهود التي بذلت في سبيل ترويج القصة الغربية، وأن هذا الطور هو طور النقل والتمثيل, ولم يكن قد بدأ بعد طور التقليد والمحاكاة, ولا سيما في الرواية, وإن ابتدأ في المسرحية مبكرا نوعا ما, وسنعود إلى الكلام في توسع عن القصة في الأدب المصري الحديث في الأجزاء التالية -إن شاء الله, أما المسرحية فقد أفردنا لها كتابا خاصا هو الآن بين أيدي القراء.
صفحه ۴۰۸